463

Mukhtasar Tafsir Al-Baghawi, also known as Ma'alim at-Tanzil

مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل

خپرندوی

دار السلام للنشر والتوزيع

شمېره چاپونه

الأولى

د چاپ کال

١٤١٦هـ

د خپرونکي ځای

الرياض

بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ وَخَالِقُ السَّمَاوَاتِ والأرض إذا أَجَابُوكَ، فَقُلْ أَنْتَ أَيْضًا يَا مُحَمَّدُ: اللَّهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ عَطَفُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: أجِبْ أَنْتَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ ﷿ فقال: ﴿قُلْ﴾ [الرعد: ١٦] أنت يا محمد، ﴿اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦] ثُمَّ قَالَ اللَّهُ لَهُمْ إِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الرعد: ١٦] مَعْنَاهُ: إِنَّكُمْ مَعَ إِقْرَارِكُمْ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ اتَّخَذْتُمْ مَنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَعَبَدْتُمُوهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، يَعْنِي: الْأَصْنَامَ، وَهُمْ ﴿لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [الرعد: ١٦] فَكَيْفَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ؟ ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فَقَالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الرعد: ١٦] كَذَلِكَ لَا يَسْتَوِي الْكَافِرُ وَالْمُؤْمِنُ، ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد: ١٦] أَيْ: كَمَا لَا يَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ لَا يَسْتَوِي الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ. ﴿أَمْ جَعَلُوا﴾ [الرعد: ١٦] أي: جَعَلُوا، ﴿لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ [الرعد: ١٦] أَيِ: اشْتَبَهَ مَا خَلَقُوهُ بِمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا يَدْرُونَ مَا خَلْقَ اللَّهُ وَمَا خَلَقَ آلِهَتُهُمْ ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]
ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى مَثَلَيْنِ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
[١٧] فَقَالَ ﷿: ﴿أَنْزَلَ﴾ [الرعد: ١٧] يَعْنِي اللَّهَ ﷿، ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الرعد: ١٧] يعني المطر، ﴿فَسَالَتْ﴾ [الرعد: ١٧] مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ ﴿أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧] أَيْ: فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ﴾ [الرعد: ١٧] الَّذِي حَدَثَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾ [الرعد: ١٧] الزَّبَدُ الْخَبَثُ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَى وجه الماء، رَابِيًا أَيْ عَالِيًا مُرْتَفِعًا فَوْقَ الماء الصَّافِي الْبَاقِي هُوَ الْحَقُّ. وَالذَّاهِبُ الزَّائِلُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْأَشْجَارِ وَجَوَانِبِ الْأَوْدِيَةِ هُوَ الْبَاطِلُ. وَقِيلَ: قَوْلُهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً هَذَا مَثَلٌ لِلْقُرْآنِ وَالْأَوْدِيَةُ مَثَلٌ لِلْقُلُوبِ يريد ينزل القرآن، فتحتمل مِنْهُ الْقُلُوبُ عَلَى قَدْرِ الْيَقِينِ وَالْعَقْلِ وَالشَّكِّ وَالْجَهْلِ، فَهَذَا أَحَدُ الْمَثَلَيْنِ وَالْمَثَلُ الْآخَرُ قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ [الرعد: ١٧] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ ﴿يُوقِدُونَ﴾ [الرعد: ١٧] بِالْيَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [الرعد: ١٧] ولا مخاطبة ها هنا، قرأ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ وَمِمَّا تُوقِدُونَ، أَيْ: ومن الذي توقدون عليه النَّارِ، وَالْإِيقَادُ جَعْلُ النَّارِ تَحْتَ الشيء ليذوب، ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ [الرعد: ١٧] أَيْ: لِطَلَبِ زِينَةٍ، وَأَرَادَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لِأَنَّ الْحِلْيَةَ تُطْلَبُ مِنْهُمَا، ﴿أَوْ مَتَاعٍ﴾ [الرعد: ١٧] أَيْ: طَلَبِ مَتَاعٍ وَهُوَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ، وَالصُّفْرِ تُذَابُ فَيُتَّخَذُ مِنْهَا الْأَوَانِي وَغَيْرُهَا مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهَا، ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ [الرعد: ١٧] أَيْ: إِذَا أُذِيبَ فَلَهُ أَيْضًا زَبَدٌ مِثْلُ زَبَدِ الْمَاءِ، فَالْبَاقِي الصَّافِي مِنْ هَذِهِ الْجَوَاهِرِ مِثْلُ الْحَقِّ، وَالزَّبَدُ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِثْلُ الْبَاطِلِ، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ [الرعد: ١٧] الذي علا السيل ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [الرعد: ١٧] أَيْ: ضَائِعًا بَاطِلًا، وَالْجُفَاءُ مَا رَمَى بِهِ الْوَادِي مِنَ الزَّبَدِ وَالْقِدْرُ إِلَى جَنَبَاتِهِ، يُقَالُ: جَفَا الْوَادِي وَأَجْفَأَ إِذَا أَلْقَى غُثَاءَهُ، وَأَجْفَأَتِ الْقِدْرُ وَجَفَأَتْ إِذَا غَلَتْ وَأَلْقَتْ زَبَدَهَا، فَإِذَا سَكَنَتْ لَمْ يَبْقَ فِيهَا شَيْءٌ مَعْنَاهُ: إِنَّ الْبَاطِلَ وَإِنْ عَلَا فِي وَقْتٍ فَإِنَّهُ يَضْمَحِلُّ. وَقِيلَ: جُفَاءً أَيْ: مُتَفَرِّقًا. يُقَالُ: جَفَأَتِ الرِّيحُ الْغَيْمَ إِذَا فَرَّقَتْهُ وَذَهَبَتْ بِهِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [الرعد: ١٧] يعني: الماء والذهب وَالْفِضَّةِ وَالصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ، ﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] أَيْ: يَبْقَى وَلَا يَذْهَبُ، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧] جعل الله هذا مثالا للحق والباطل، يعني أَنَّ الْبَاطِلَ كَالزَّبَدِ يَذْهَبُ وَيَضِيعُ والحق كالماء يَبْقَى فِي الْقُلُوبِ. وَقِيلَ: هَذَا تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي: أَنَّ أَمْرَ الْمُشْرِكِينَ كَالزَّبَدِ يُرَى فِي الصُّورَةِ شَيْئًا وَلَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ، وَأَمْرَ الْمُؤْمِنِينَ كَالْمَاءِ الْمُسْتَقِرِّ فِي مَكَانِهِ له البقاء والثبات.
[١٨] قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ [الرعد: ١٨] أجابوا، ﴿لِرَبِّهِمُ﴾ [الرعد: ١٨] فأطاعوه، ﴿الْحُسْنَى﴾ [الرعد: ١٨] الْجَنَّةُ، ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ [الرعد: ١٨] أَيْ: لَبَذَلُوا ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ افْتِدَاءً مِنَ النَّارِ، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٨] قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: سُوءُ الْحِسَابِ أَنْ يُحَاسَبَ الرَّجُلُ

4 / 473