وهذا المذهب ينتظم جميع الأدلة ولا يرد عليه دليل.
قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]:
«وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السير أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي: فإن كان واجبًا رده واجبًا، وإن كان مستحبًا فمستحب، أو مباحًا فمباح. ومن قال: إنه على الوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال: إنه للإباحة يرد عليه آيات أخرى. والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه كما اختاره بعض علماء الأصول. والله أعلم» (١) .
المسألة السابعة: هل يستلزم الأمر الإرادة؟
التحقيق في هذه المسألة التفصيل:
وذلك أن الإرادة نوعان (٢):
١- إرادة قدرية كونية فهذه هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج: ١٤] . وهي لا تستلزم محبة الله ورضاه.
٢- إرادة دينية شرعية فهذه متضمنة لمحبة الله ورضاه، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] . ولكنها قد تقع وقد لا تقع.
فأوامر الله ﷾ تستلزم الإرادة الشرعية لكنها لا تستلزم الإرادة الكونية؛ فقد يأمر سبحانه بأمرٍ يريده شرعًا وهو يعلم سبحانه أنه لا يريد وقوعه كونًا وقدرًا.
والحكمة من ذلك: ابتلاء الخلق وتمييز المطيع من غير المطيع.
(١) "تفسير ابن كثير" (٢/٦، ٧) .
(٢) انظر: "مجموع الفتاوى" (٨/١٣١)، و"شرح العقيدة الطحاوية" (١١٦)، و"مذكرة الشنقيطي" (١٩٠) .