317

Mecca and Medina in the Pre-Islamic Period and the Era of the Prophet Muhammad (PBUH)

مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول ﷺ

خپرندوی

دار الفكر العربي

ژانرونه
human geography
سیمې
مصر
لو سلمنا بهذا الأساس استطعنا أن نقول: أن النبي ﷺ لم يقم بحرب هجومية إطلاقًا، حتى في أثناء المعارك الكبيرة التي وقعت بينه وبين قريش؛ فإن موقعة بدر التي حدثت في السنة الثانية الهجرية حدثت داخل حدود إقليم المدينة، وعلى أثر تحدي المكيين للنبي ﷺ وتسييرهم قوافلهم بأراضي المدينة ممتهنين بذلك حق السيادة اليثربية، فأبو سفيان حين مر بقافلته في المنطقة اليثربية كان يتحدى ويدل على أهل يثرب بقوته ويستضئل شأن النبي ﷺ ولهذا خرج النبي ﷺ إليه وأراد أن يصادر هذه القافلة أو أن يحاربها، وكان أمرها يشغله منذ خرجت إلى الشام حتى رأى في منامه قبل أن تعود رؤيا تبشره بأن إحدى الطائفتين ستكون لهم، والطائفة الأولى هي القافلة والطائفة الثانية المعنية هي قوات قريش التي كان من المحتمل أن تخرج لنجدتها، ومنع النبي ﷺ من مصادرتها١.
ثم إن وقعة أحد سنة ٣هـ وقعت في جوار المدينة مباشرة وعلى نحو ميلين منها، وكان المكيون فيها مُهَاجِمين مطالبين بثأر بدر٢. ثم إن النبي ﷺ خرج في السنة الرابعة إلى بدر لوعد بالحرب كان بينه وبين المكيين يوم أحد٣، فلم يلق النبي ﷺ يومئذ حربًا. لكنه حين سار إلى بدر إنما سار إلى حدود إقليمه ولم يتجاوزها.
فلما كان العام الخامس وهو العام الذي وقعت فيه موقعة الخندق كان النبي ﷺ مستقرًّا في يثرب وعدوه هو الذي جاء إليه متحديًا منتهكًا لحقه في السيادة كما كان الحال في عام أحد، فالنبي ﷺ لم يكن مهاجمًا، بل إنه أراد أن يبين نيته السلمية وأن يفهم الناس بطريقة مادية محسوسة أنه لا يريد حربًا، ولجأ في التعبير عن هذه النية إلى طريقة مستحدثة تأباها الفروسية العربية، وهي طريقة حفر خندق حول المدينة٥. ثم

١ ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال] .
٢ ابن هشام ٢/ ٣ وما بعدها.
٣ ابن هشام ٣/ ٤٥.
٤ نفسه ٢٢٢.
٥ ابن هشام ٣/ ٢٣١.

1 / 328