ذلك موجبًا لقبولِ الأعمالِ، ورفعُ الصوتِ فوقَ صوتهِ بل مُوجبٌ لحبوطها (١).
ومن جميل ما يذكر في هذا الباب حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابتَ بن قيسٍ، فقال رجل: يا رسولَ اللهِ، أنا أعلمُ لكَ عِلمه، فأتاهُ فوجدهُ جالسًا في بيتهِ منكسًا رأسه. فقال: ما شأنُك؟ فقال: شرّ؛ كان يرفعُ صوتهُ فوقَ صوتِ النبي ﷺ فقد حبطَ عمله، وهو من أهل النار، فأتى الرجلُ فأخبرهُ أنه قال كذا وكذا، [قال الراوي: موسى بن أنس]: فرجع المرةَ الآخرةَ ببشارةٍ عظيمة، فقال: "اذهب إليه فقل له: إنك لستَ من أهل النار، ولكن من أهل الجنة" (٢).
تأمل خوف الصحابي من أن يحبط عمله ومحبته لنبيه ﷺ وصدقه أورثه كرامة كبرى.
قال الإمام الحافظ حَماد بن زَيد ﵁: في قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]. قال: أرى رفع الصَّوت عليه بعد موته كرفع الصَّوت عليه في حياته؛ إذا قرئ حديثه، وجب عليك أن تنصِتَ له كما تنصِتُ للقرآن يعمر" (٣).
ومن الجهلة من يرفع صوته منكرًا السنة النبوية، أو الذين تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن، متمسكين بزعمهم بالقرآن فقط، ناسين أو متناسين أن
(١) "مدارج السالكين" (٢/ ٣٦٧).
(٢) أخرجه البخاري (٣٦١٣، ٤٨٤٦ - فتح) في كتاب التفسير.
(٣) "سير أعلام النبلاء" (٧/ ٤٦٠).