501

( كتب عليكم ) أي : فرض عليكم فرضا مؤكدا بمثابة المكتوب الذي لا يمحى ولا يعتوره تغيير ( إذا حضر أحدكم الموت ) أي : قرب نزوله به بأن قرب مفارقته الحياة ( إن ترك خيرا ) أي : مالا يورث ( الوصية ) أي : المعهودة ، وهي وصية الله سبحانه وتعالى في إيتاء كل ذي حق حقه ، على ما بينته تلك الآية ( للوالدين والأقربين ) أي : في إبلاغهم فرضهم المبين في آية ( يوصيكم الله في أولادكم ) فإنه أجمع آية ( حقا على المتقين ) تأكيد للكتابة بأنها أمر ثابت لا يسوغ التسامح فيه بوجه ما ( فمن بدله ) أي : هذا المكتوب الحق ( بعد ما سمعه ) أي : فعلم الحق المفروض فيه ( فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم ) أي : فلا يخفى عليه شيء من حال الممتثل والمبدل ، وقوله تعالى ( فمن خاف من موص جنفا ) أي : ميلا عما فرضه تعالى ( أو إثما ) أي : بقطع من يستحق عن حقه ، لما لا تخلو عنه كثير من الأنفس التي لم يدركها نور التهذيب ( فأصلح بينهم ) أي : بأمر رضي به الكل ( فلا إثم عليه ) أي : لأن الصلح جائز إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ، والله أعلم. المنقول من الدفتر.

** القول في تأويل قوله تعالى :

( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) (183)

( يا أيها الذين آمنوا كتب ) فرض ( عليكم الصيام ) وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

واعلم أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة شرعه الله لعباده رحمة لهم ، وإحسانا إليهم ، وحمية ، وجنة ..! فإن المقصود من الصيام : حبس النفس عن الشهوات ، وفطمها عن المألوفات ، وتعديل قوتها الشهوانية ، لتسعد بطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها ، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية ..! ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها ، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين ..! وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب ، وحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها ، ويسكن كل عضو منها وكل قوة عن جماحها ، وتلجم بلجامه ، فهو لجام المتقين ، وجنة المجاهدين ، ورياضة الأبرار والمقربين ..! وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال ، فإن الصائم لا يفعل شيئا ، إنما ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل

مخ ۱۶