مدارج السالکین
مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين
ایډیټر
محمد المعتصم بالله البغدادي
خپرندوی
دار الكتاب العربي
شمېره چاپونه
السابعة
د چاپ کال
۱۴۲۳ ه.ق
د خپرونکي ځای
بيروت
الَّذِي هُوَ مُقَدِّمَةُ الزِّنَا، فَهُوَ مِنَ الصَّغَائِرِ، فَالصَّغَائِرُ مِنْ جِنْسِ الْمُقَدِّمَاتِ، وَالْكَبَائِرُ مِنْ جِنْسِ الْمَقَاصِدِ وَالْغَايَاتِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مَا يَسْتَصْغِرُهُ الْعِبَادُ فَهُوَ كَبَائِرُ، وَمَا يَسْتَكْبِرُونَهُ فَهُوَ صَغَائِرُ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْفَرْقَ رَاجِعٌ إِلَى اسْتِكْبَارِهِمْ وَاسْتِصْغَارِهِمْ، فَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَسْتَصْغِرُ النَّظْرَةَ، وَيَسْتَكْبِرُ الْفَاحِشَةَ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ اسْتِصْغَارَهُمْ لِلذَّنْبِ يُكَبِّرُهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَاسْتِعْظَامَهُمْ لَهُ يُصَغِّرُهُ عِنْدَ اللَّهِ، فَهَذَا صَحِيحٌ، فَإِنَّ الْعَبْدَ كُلَّمَا صَغُرَتْ ذُنُوبُهُ عِنْدَهُ كَبُرَتْ عِنْدَ اللَّهِ، وَكُلَّمَا كَبُرَتْ عِنْدَهُ صَغُرَتْ عِنْدَ اللَّهِ، وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ - لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وَكَمَالِهِمْ - كَانُوا يَعُدُّونَ تِلْكَ الْأَعْمَالَ مُوبِقَاتٍ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ - لِنُقْصَانِ مَرْتَبَتِهِمْ عَنْهُمْ، وَتَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُمْ - صَارَتْ تِلْكَ الْأَعْمَالُ فِي أَعْيُنِهِمْ أَدَقَّ مِنَ الشَّعْرِ.
وَإِذَا أَرَدْتَ فَهْمَ هَذَا فَانْظُرْ هَلْ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ إِذَا سَمِعَ نَصَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَارَضَهُ بِقِيَاسِهِ، أَوْ ذَوْقِهِ، أَوْ وَجْدِهِ، أَوْ عَقْلِهِ، أَوْ سِيَاسَتِهِ؟ وَهَلْ كَانَ قَطُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُقَدِّمُ عَلَى نَصِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَقْلًا أَوْ قِيَاسًا، أَوْ ذَوْقًا، أَوْ سِيَاسَةً، أَوْ تَقْلِيدَ مُقَلِّدٍ؟ فَلَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أَعْيُنَهُمْ وَصَانَهَا أَنْ تَنْظُرَ إِلَى وَجْهِ مَنْ هَذَا حَالُهُ، أَوْ يَكُونَ فِي زَمَانِهِمْ، وَلَقَدْ حَكَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى مَنْ قَدَّمَ حُكْمَهُ عَلَى نَصِّ الرَّسُولِ بِالسَّيْفِ، وَقَالَ: هَذَا حُكْمِي فِيهِ، فَيَالَلَّهُ! كَيْفَ لَوْ رَأَى مَا رَأَيْنَا، وَشَاهَدَ مَا بُلِينَا بِهِ مِنْ تَقْدِيمِ رَأْيِ كُلِّ فُلَانٍ وَفُلَانٍ عَلَى قَوْلِ الْمَعْصُومِ ﷺ، وَمُعَادَاةُ مَنِ اطَّرَحَ آرَاءَهُمْ، وَقَدَّمَ عَلَيْهَا قَوْلَ الْمَعْصُومِ؟ فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَهُوَ الْمُوعِدُ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ.
وَقِيلَ: الْكَبَائِرُ الشِّرْكُ وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ، وَالصَّغَائِرُ مَا عَدَا الشِّرْكَ مِنْ ذُنُوبِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ.
وَاحْتَجَّ أَرْبَابُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎ «ابْنَ آدَمَ، لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ
1 / 334