210

مدارج السالکین

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

ایډیټر

محمد المعتصم بالله البغدادي

خپرندوی

دار الكتاب العربي

شمېره چاپونه

السابعة

د چاپ کال

۱۴۲۳ ه.ق

د خپرونکي ځای

بيروت

سیمې
سوریه
سلطنتونه او پېرونه
مملوک
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧] فَهَذَا الْحُبُّ وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ لَمْ يَكُونَا فِي النَّفْسِ وَلَا بِهَا، وَلَكِنْ هُوَ اللَّهُ الَّذِي مَنَّ بِهِمَا، فَجَعَلَ الْعَبْدَ بِسَبَبِهِمَا مِنَ الرَّاشِدِينَ ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٨] عَلِيمٌ بِمَنْ يَصْلُحُ لِهَذَا الْفَضْلِ وَيَزْكُو عَلَيْهِ وَبِهِ، وَيُثْمِرُ عِنْدَهُ، حَكِيمٌ فَلَا يَضَعُهُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ فَيُضَيِّعُهُ بِوَضْعِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
وَمِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ فَقَالَ: اللَّطِيفَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ نَظَرَ الْبَصِيرِ الصَّادِقِ فِي سَيِّئَتِهِ لَمْ يُبْقِ لَهُ حَسَنَةً بِحَالٍ، لِأَنَّهُ يَسِيرُ بَيْنَ مُشَاهَدَةِ الْمِنَّةِ، وَتَطَلُّبِ عَيْبِ النَّفْسِ وَالْعَمَلِ.
يُرِيدُ: أَنَّ مَنْ لَهُ بَصِيرَةٌ بِنَفْسِهِ، وَبَصِيرَةٌ بِحُقُوقِ اللَّهِ، وَهُوَ صَادِقٌ فِي طَلَبِهِ لَمْ يُبْقِ لَهُ نَظَرُهُ فِي سَيِّئَاتِهِ حَسَنَةً الْبَتَّةَ، فَلَا يَلْقَى اللَّهَ إِلَّا بِالْإِفْلَاسِ الْمَحْضِ، وَالْفَقْرِ الصِّرْفِ، لِأَنَّهُ إِذَا فَتَّشَ عَنْ عُيُوبِ نَفْسِهِ وَعُيُوبِ عَمَلِهِ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِلَّهِ، وَأَنَّ تِلْكَ الْبِضَاعَةَ لَا تُشْتَرَى بِهَا النَّجَاةُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، فَضْلًا عَنِ الْفَوْزِ بِعَظِيمِ ثَوَابِ اللَّهِ، فَإِنْ خَلُصَ لَهُ عَمَلٌ وَحَالٌ مَعَ اللَّهِ، وَصَفَا لَهُ مَعَهُ وَقْتٌ شَاهَدَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِهِ، وَمُجَرَّدَ فَضْلِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَا هِيَ أَهْلٌ لِذَلِكَ، فَهُوَ دَائِمًا مُشَاهِدٌ لِمِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَلِعُيُوبِ نَفْسِهِ وَعَمَلِهِ، لِأَنَّهُ مَتَى تَطَلَّبَهَا رَآهَا.
وَهَذَا مِنْ أَجَلِّ أَنْوَاعِ الْمَعَارِفِ وَأَنْفَعِهَا لِلْعَبْدِ، وَلِذَلِكَ كَانَ سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» .
فَتَضَمَّنَ هَذَا الِاسْتِغْفَارُ الِاعْتِرَافَ مِنَ الْعَبْدِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ، وَإِلَهِيَّتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَالِاعْتِرَافَ بِأَنَّهُ خَالِقُهُ، الْعَالِمُ بِهِ، إِذْ أَنْشَأَهُ نَشْأَةً تَسْتَلْزِمُ عَجْزَهُ عَنْ أَدَاءِ حَقِّهِ وَتَقْصِيرَهُ

1 / 236