588

معارج القبول بشرح سلم الوصول

معارج القبول بشرح سلم الوصول

ایډیټر

عمر بن محمود أبو عمر

خپرندوی

دار ابن القيم

شمېره چاپونه

الأولى

د چاپ کال

١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م

د خپرونکي ځای

الدمام

وَلَا يُطْلَقُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي بَعْضِهَا، وَالْمُؤْمِنُ مُسْلِمٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا. وَإِذَا حَمَلْتَ الْأَمْرَ عَلَى هَذَا اسْتَقَامَ لَكَ تَأْوِيلُ الْآيَاتِ وَاعْتَدَلَ الْقَوْلُ فِيهَا، وَلَمْ يَخْتَلِفْ شَيْءٌ مِنْهَا.
وَأَصْلُ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ، وَأَصْلُ الْإِسْلَامِ الِاسْتِسْلَامُ وَالِانْقِيَادُ، فَقَدْ يَكُونُ الْمَرْءُ مُسْتَسْلِمًا فِي الظَّاهِرِ غَيْرَ مُنْقَادٍ فِي الْبَاطِنِ، وَقَدْ يَكُونُ مُصَدِّقًا فِي الْبَاطِنِ غَيْرَ مُنْقَادٍ فِي الظَّاهِرِ١.
قُلْتُ: مَا رَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْإِسْلَامُ الْكَلِمَةُ وَالْإِيمَانُ الْعَمَلُ، هَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ قَيِّمِ الْمَبْنَى وَلَا وَاضِحُ الْمَعْنَى، وَالزَّهْرِيُّ إِمَامٌ عَظِيمٌ مِنْ كِبَارِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ لَا يَجْهَلُ مِثْلَ هَذَا وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ مَحْفُوظَةً عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ، فَإِنْ صَحَّ النَّقْلُ عَنْهُ فَفِي الْكَلَامِ تَصْحِيفٌ وَإِسْقَاطٌ لَعَلَّ الصَّوَابَ فِيهِ هَكَذَا: الْإِسْلَامُ: الْكَلِمَةُ وَالْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ، فَسَقَطَتِ الْوَاوُ الْعَاطِفَةُ لِلْعَمَلِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَهَذَا مُتَعَيِّنٌ لِمُوَافَقَتِهِ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً: أَنَّ الْإِيمَانَ اعْتِقَادٌ وَقَوْلٌ وَعَمَلٌ. وَالزُّهْرِيُّ مِنْ أَكْبَرِ أَئِمَّتِهِمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ مَعَهُمْ فِيمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْهُمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَكُونُ عَنَى بِالْإِسْلَامِ الدِّينَ كُلَّهُ كَمَا عَنَى غَيْرَهُ بِالْإِيمَانِ الدِّينَ كُلَّهُ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ اسْتِدْلَالُهُ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا عَلَى هَذَا وَلَا يَسْتَقِيمُ عَلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ؛ لِإِهْمَالِ الِاعْتِقَادِ فِيهِ الْمَوْجُودِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١٤] الْآيَةَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَذَهَبَ غَيْرُهُ إِلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَهَذَا إِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ الْغَيْرِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَهُمْ لَمْ يَجْعَلُوهُمَا شَيْئًا وَاحِدًا إِلَّا عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَعَدَمِ الِاقْتِرَانِ لِشُمُولِ أَحَدِهِمَا مَعْنَى الْآخَرِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا عِنْدُ اقْتِرَانِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِمَا فرق به الرسول ﷺ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ ﵇. وَإِنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ فَإِطْلَاقُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا وَالِاتِّحَادِ فِي كُلِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ هُوَ رَأْيُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَهُمُ الْمُحْتَجُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِآيَتَيِ الذَّارِيَاتِ وَهُوَ احْتِجَاجٌ ضَعِيفٌ جِدًّا،

١ صحيح مسلم بشرح النووي "١/ ١٤٤، ١٤٥".

2 / 605