342

Lessons by Sheikh Yasser Burhami

دروس للشيخ ياسر برهامي

أهمية الحديث عن صفات جيل النصر
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد: فكلما اشتد الصراع بين الحق والباطل تضرع المؤمنون إلى الله ﷾ يدعونه ﷿ أن ينصرهم، وأن يعلي الحق، ويظهر دينه بهم، فلزمهم أن يبحثوا في أنفسهم عن الصفات التي يجب أن يتصفوا بها؛ لكي يحقق الله ﷾ وعده لهم، فإنما جعل ﷾ وعده مشروطًا باتصافهم بصفات معينة، وليس وعدًا مطلقًا لكل متسم باسم الإسلام أو الإيمان، أو لكل منتسب إلى الدعوة والدين والجهاد، ولكن ذلك لمن شابه أصحاب رسول الله ﷺ وصار منهم وإن لم يلحق بهم، قال الله ﷿: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة:٣]؛ فهم منهم؛ لأنهم على طريقتهم، ولهم بعضًا من صفات الصحابة ﵃، ذلك الجيل الفريد، جيل النصر الذي مكن الله ﷿ به لدينه، والذي جعله سببًا لانتصار الإسلام وانتشاره في مشارق الأرض ومغاربها، ولاشك أن الله ﷾ إذا اختار قومًا لصحبة نبيه ﷺ، ولإقامة أول مجتمع مسلم في الأرض؛ فإنهم لابد أن يكونوا خير الناس، كما قال النبي ﷺ: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، وقال الله ﷿ مادحًا إياهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
هؤلاء الذين ذكرهم الله ﷾ قبل وجودهم بقرون وأجيال، وربما بمئات أو آلاف السنين، فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩].
وقال ﷿ في خطابه لموسى ﵇ قبل وجود عدة أجداد من أجداد أجداد أجداد الصحابة، فقال سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧].
نحتاج دائمًا إلى أن نعرض أنفسنا على هذه الآيات؛ لأن المواجهة الحالية التي بين الإسلام وبين قوى الكفر المتحزبة المجتمعة على الصد عن سبيل الله، وصرف الناس عن دين الله؛ لا يمكن أن تنتصر إلا بمن كانت صفتهم وأحوالهم قريبة من صفات الصحابة ﵃، وذلك أن ظهور الإسلام في مواجهة هذه القوى الكافرة كلها من اليهود والنصارى والمنافقين والمشركين لا يمكن أن يكون بدون الوصول إلى حقيقة العبودية والإيمان والعمل الصالح الذي وعد الله ﷿ أهله بالاستخلاف في الأرض، فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥].
ولذلك فإننا لا نشك لحظة واحدة في أن النصر المنشود الذي يتطلع إليه المسلمون، وهو نصر يريدونه حاسمًا، وعودة للإسلام على خلافة راشدة على منهاج النبوة، لا نشك أن ذلك النصر يمكن أن يحدث على أيدي من يسبون أصحاب رسول الله ﷺ ويبغضونهم، فضلًا عمن يكفرهم ويلعنهم، ونعوذ بالله من سوء حالهم.
لذلك أتوقف لحظات مع صفات جليلة وصف الله ﷿ بها المهاجرين والأنصار؛ لنزن أنفسنا بها، وننظر ما نصيب كل واحد منا من هذه الصفات، فإن الله ذكرهم بصفاتهم؛ لكي يعلم أن الاقتداء بهم في هذه الصفات هو الذي يحبه الله ﷾، وهو الذي شرعه.

28 / 2