328

Lessons by Sheikh Yasser Burhami

دروس للشيخ ياسر برهامي

تقدير المكروه ليحصل المحبوب
الحمد لله، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﵌.
أما بعد: قال الله ﷿: «لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ».
هذا التعليم لما قدره ﷾ من مقدم الأحزاب؛ ليظهر صبر من صبر، ونفاق من نافق، وكل ذلك بقضائه وقدره، فقد كان في قدرته أن يصرف الأحزاب قبل أن يأتوا، فلا تجتمع كلمتهم، وأن يفت في عضدهم، ويلقي الرعب في قلوبهم قبل أن يأتوا، لكن قدر ﷾ مجيئهم، «لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ».
لقد قدر الله ﷿ وجود المكروه؛ ليحصل المحبوب الأعظم الذي يحبه الله ﷿ ولا يحصل إلا بمقابلته بضده، فذلك الذي من أجله قدر الله ﷾ أن يأتي الأحزاب، وأن يغدر اليهود، وأن تجتمع كلمة الكفرة والمنافقين وأهل الكتاب مع بعضهم على أهل الإسلام، وأن يظن المسلمون بالله الظنون، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]؛ فتقدير كل هذا لأجل أن يظهر الصدق الحقيقي في أحوال القلوب، وفي ثقتها بالله ﷿، وفي حبها ومتابعتها لرسول الله ﷺ، وفي خوفها من الله ﷿ دون من سواه، وفي اليقين بوعده رغم انعدام الأسباب، أو رغم أن الأسباب تأتي في الاتجاه المعاكس، والبوادر والأسباب الظاهرة تقول: إن الإسلام قد حوصر، وإنه يوشك أن ينتهي، وإن المعركة محسومة لصالح الكفرة والمنافقين.
وهنا يظهر الصدق في اليقين بوعد الله ﷿ والصدق مع الله ﷿ في الثبات؛ فإن رأيت كل دنيا المسلمين مدبرة، توقن بأن نصر الله آت ووعد الله متحقق، وما دام المؤمن عنده إيمان فلابد أن يرى ذلك، وأن يصدق مع الله في أحواله كما صدق في أعماله وأقواله، ليجزيه الله بصدقه، وأبهم الجزاء ليتسع الذهن الإنساني لأوسع العطاء، فقال: «لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ»، فلم يذكر ماذا يجزيهم، وهو تعالى سيجزيهم ما لم يخطر ببال، كما قال النبي ﷺ: (في الجنة ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر) أو كما قال النبي ﷺ.

26 / 5