من بدع القبور (*)
روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عباس أن النبي ﷺ مر على قبرين فقال: "إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير: أما هذا فكان لا يستتر من بوله، وأما هذا فكان يمشى بالنميمة". ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله لم فعلت؟ قال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا".
قال الخطابي في معالم السنن (١: ١٩ - ٢٠): وقوله: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي ﷺ ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه ﷺ جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدًّا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس، والعامة في كثيرٍ من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا، وليس لما تعاطوه من ذلك الوجه.
وصدق الخطابي، وقد ازداد العامة إصرارًا على هذا العمل الذي لا أصل له، وغلوا فيه، خصوصًا في بلاد مصر، تقليدًا للنصارى، حتى صاروا يضعون الزهور على القبور، ويتهادونها بينهم، فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحية لهم، ومجاملة للأحياء،
(*) مجلة الهدي النبوي، السنة الأولى، العدد الخامس، شعبان ١٣٥٦ هـ.