قُلْتُ: هُوَ الصَّوَابُ.
الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ:
هَلِ الْمَفْهُومُ الْمَذْكُورُ يَرْتَقِي إِلَى أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا قَاطِعًا، أَوْ لَا يَرْتَقِي إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ: إِنَّهُ "قَدْ"* يَكُونُ قَطْعِيًّا، وَقِيلَ: لا.
الموضع الرابع:
إذا دل "دليل"** على إخراج صور مِنْ صُوَرِ الْمَفْهُومِ، فَهَلْ يَسْقُطُ الْمَفْهُومُ بِالْكُلِّيَّةِ، أو يتمسك به فِي الْبَقِيَّةِ؟ وَهَذَا يَتَمَشَّى عَلَى الْخِلَافِ فِي حُجِّيَّةِ الْعُمُومُ إِذَا خَصَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.
الْمَوْضِعُ الْخَامِسُ:
هَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ به قبل الْبَحْثُ عَمَّا يُوَافِقُهُ، أَوْ يُخَالِفُهُ مِنْ مَنْطُوقٍ أَوْ مَفْهُومٍ آخَرَ؟ فَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصَّصِ، وَحَكَى الْقَفَّالُ الشاشي في ذلك وجهين.
* ما بين قوسين ساقط من "أ".
** في "أ": الدليل.
المسألة الثالثة: شروط القول بمفهوم المخالفة
الْأَوَّلُ:
أَنْ لَا يُعَارِضَهُ مَا هُوَ أَرْجَحُ منه، من منطوق أو مفهوم موافقة، أما إذا عراضه قِيَاسٌ، فَلَمْ يُجَوِّزُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ تَرْكَ الْمَفْهُومِ بِهِ، مَعَ تَجْوِيزِهِ تَرْكَ الْعُمُومَ بِالْقِيَاسِ، كَذَا قَالَ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِيَاسَ الْمَعْمُولَ بِهِ يُخَصِّصُ عُمُومَ الْمَفْهُومِ، كَمَا يُخَصِّصُ عُمُومَ الْمَنْطُوقِ، وَإِذَا تَعَارَضَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْمُولًا بِهِ، فَالْمُجْتَهِدُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا مِنَ الْمَرْجُوحِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَقَامَاتِ، وَبِمَا يُصَاحِبُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْقَرَائِنِ الْمُقَوِّيَةِ لَهُ.
قَالَ شَارِحُ "اللُّمَعِ": دَلِيلُ الْخِطَابِ إِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً إِذَا لَمْ يُعَارِضْهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، كَالنَّصِّ وَالتَّنْبِيهِ، فَإِنْ عَارَضَهُ أَحَدُهُمَا سَقَطَ، وَإِنْ عَارَضَهُ عُمُومٌ صَحَّ التَّعَلُّقُ بِعُمُومِ دَلِيلِ الْخِطَابِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ عَارَضَهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ، قُدِّمَ الْقِيَاسُ، وَأَمَّا الْخَفِيُّ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ حُجَّةً كَالنُّطْقِ قُدِّمَ دَلِيلُ الْخِطَابِ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ كَالْقِيَاسِ فَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يُقَدِّمُونَ كَثِيرًا الْقِيَاسَ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ.
وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي:
أَنْ لَا يَكُونَ الْمَذْكُورُ قُصِدَ بِهِ الِامْتِنَانُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ ١
١جزء من الآية ١٤ من سورة النحل.