118

Irshad al-Fuhul ila Tahqiq al-Haq min 'Ilm al-Usul

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

ایډیټر

الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا

خپرندوی

دار الكتاب العربي

شمېره چاپونه

الطبعة الأولى ١٤١٩هـ

د چاپ کال

١٩٩٩م

وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَقَدْ قال: للنبي ﷺ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ قَالُوا: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ١ لَمَّا رَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فقتله، فقال ﷺ: "كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بَلْ لَهُ أجر مرتين" ٢. فكذبهم ﷺ مَعَ أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِمَا كَانَ فِي اعْتِقَادِهِمْ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قال للنبي ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ: إِنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ: الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ، فَقَالَ ﷺ: "كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنَّ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ" ٣.
وَاحْتَجُّوا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى تَكْذِيبِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي كُفْرِيَّاتِهِمْ مَعَ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ صِحَّةَ تِلْكَ الْكُفْرِيَّاتِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَكْذِيبِ الْكَافِرِ إِذَا قَالَ الْإِسْلَامُ بَاطِلٌ مَعَ مُطَابَقَتِهِ لِاعْتِقَادِهِ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي: أَنَّ الْخَبَرَ لَا يَتَّصِفُ بِالصِّدْقِ إِلَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَ مُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ وَالِاعْتِقَادِ، فَإِنْ خَالَفَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا فَكَذِبٌ فَيُقَالُ فِي تَعْرِيفِهِمَا هَكَذَا الصِّدْقُ مَا طَابَقَ الْوَاقِعَ وَالِاعْتِقَادَ. وَالْكَذِبُ مَا خَالَفَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا ثُبُوتُ وَاسِطَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ كَلَامُ الْعُقَلَاءِ، فَلَا يَرِدُ كَلَامُ السَّاهِي وَالْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ وَجَمِيعُ أَدِلَّةِ الْأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى هَذَا، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا وَرَدَ عَلَيْهَا.
فَإِنْ قُلْتَ: مِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَصْدِيقِ الْكَافِرِ إِذَا قَالَ: الْإِسْلَامُ حَقٌّ وَهُوَ إِنَّمَا طَابَقَ الْوَاقِعَ لَا الِاعْتِقَادَ، قُلْتُ لَيْسَ النِّزَاعُ إِلَّا فِي مَدْلُولِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لُغَةً لَا شَرْعًا، وَهَذَا الْإِجْمَاعُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّرْعِ لَا من أهل اللغة والدليل الذي "مُسْتَنَدُ"* إِجْمَاعِهِمْ شَرْعِيٌّ لَا لُغَوِيٌّ، وَلَكِنَّ الْكَذِبَ الْمَذْمُومَ شَرْعًا هُوَ الْمُخَالِفُ لِلِاعْتِقَادِ سَوَاءٌ طَابَقَ الْوَاقِعَ أَوْ خَالَفَهُ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِدْقِ وَصْفِ مَا خَالَفَ الْوَاقِعَ وَطَابَقَ الِاعْتِقَادَ بالكذب "لغة"**.

* ما بين قوسين ساقط من "أ".
** ما بين قوسين ساقط من "أ".

١ هو عامر بن سنان، الصحابي، المشهور، ومقتله كان في غزوة خيبر ا. هـ. الإصابة "٢/ ٢٤١".
٢ أخرجه البخاري، في المغازي، باب غزوة خيبر "٤١٩٦" ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة خيبر "١٨٠٢" والنسائي، كتاب الجهاد، باب من قاتل في سبيل الله فارتد عليه سيفه فقتله برقم "٣١٥٠" "٦/ ٣١" وأبو داود، كتاب الجهاد، باب في الرجل يموت بسلاحه بلفظ: "كذبوا مات جاهدًا مجاهدًا فله أجره مرتين" "٢٥٣٨".
٣ أخرجه البخاري مطولًا من طريق هشام عن أبيه في كتاب المغازي باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح رقم "٤٢٨٠". وابن كثير في البداية والنهاية "٤/ ٣٣٣". والبيهقي في الدلائل "٥/ ٩٨" وابن عبد البر من رواية ابن عقبة في الدرر "٢١٧".

1 / 126