Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
أقضية كبار التابعين وفتاويهم صوراً ناقلة لأشكال الحضارات والمدنيات التي توردت على العقل الإسلامي، وتفتحت لأحكامها مصادر الفقه الإسلامي، واستنطقها أولئك العلية من الصحابة وكبار التابعين.
فإذا كان أحمد رضي الله عنه قد أوتي علماً جامعاً بفتاوى الصحابة وكبار التابعين الذين كان يرتضي آراءهم ومناهجهم فقد وجد ألواناً من الحوادث تغنيه في الفتوى عن الفرض والتقدير الذي وسع الفقه الحنفي، وإذا كان ثمة من فرق بين الأمرين، فهو أن هذه الفتاوى التي أمدت أحمد بالاستنباط، وفتحت فقهه موضوعها حوادث واقعة حية متنوعة الألوان والأشكال، أما الحوادث المفروضة، فإنها ليست لها قوة من الحياة، وهي في ذاتها لون واحد؛ لأن خيال الفقيه في التفريع يكون مقيداً بنوع ما وجد حكمه، وجنسه، إذ هو مربوط بموضعه، وفوق ذلك فإن أحمد يجد الحادثة وعلاجها الذي اهتدى إليه من التمس علمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير توسط أحد. وعلى هذا نستطيع أن نقول إن أحمد رضي الله عنه بجمعه لفتاوى الصحابة وأقضيتهم وفتاوى كبار التابعين وأقضيتهم قد أمد الفقه الحنبلي بحوادث كثيرة وأحكامها، وفي ذلك ثروة فقهية، وتوسيع للمذهب، كما وسع الفرض والتقدير المذهب الحنفي.
٢٤٨ - ولم تكن تلك التوسعة هي الثمرة الوحيدة لجمع فتاوى الصحابة، بل إن فتاوى الصحابة أمدت أحمد ومن جاء بعده من أصحابه ومجتهدي مذهبه بثروة من الأحكام الفقهية يقيس عليها، كما أمدته الأحاديث، وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأقضيته، فكثرت الأشباه والنظائر التي تسعفه بالقياس الصحيح، فيجد حكم النظير المنصوص عليه بفتوى الصحابي، إذ يعتبرها أصلاً يقاس عليه، كما يعتبر النص النبوي أصلاً يقاس عليه، ويستمد منه العلة والوصف المناسب، ويسير في القياس والتنظير على أساس سلفي، لا على مجرد الفرض العقلي.
وإن فتاوى أصحابه أمدته بنوع آخر من العلم، فقد أمدته بالطريقة التي كان يعالج بها الصحابة المسائل التي تعرض لهم، والدعاوى التي تعرض عليهم، وليس
363