التفاوت بين الصور رغم تشابه المعاني
وقد أمعن عبد القاهر في تمييز التفاوت بين صورتين يظنهما الناس ممثلتين لمعنى واحد حين أورد مزدوجات من الأبيات، كل اثنين منهما لشاعرين، والصورة في أحد البيتين أدنى بكثير من الصورة في البيت الثاني، ثم شفع ذلك بنماذج أخرى من المعاني المتحدة، إلا أن الصورة - أو الصياغة - فيها قد بلغت في كل بيتين مستوى فائقًا، ومع ذلك ظل التفاوت موجودًا (١)؛ ثم وضح لم أختار مصطلح الصورة بقوله: " وأعلم أن قولنا الصورة إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا، فلما رأينا البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصورة فكان بين إنسان من إنسان وفرس من فرس بخصوصية تكون في صورة هذا لا تكون في صورة ذاك، وكذلك كان الأمر في المصنوعات فكان بين خاتم من خاتم وسوار من سوار بذلك، ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقًا، عبرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك، وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئًا نحن ابتدأناه فينكره منكر، بل هو مستعمل مشهور في كلام العلماء ويكفيك قول الجاحظ: وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير " (٢) .
التفاوت في الصور هو الطريق لإثبات الإعجاز كما كان عند الآمدي والقاضي
ويتجلى من هذا كيف حاول عبد القاهر أن يظل في بحثه عن " الصورة " منسجمًا مع محاولته في تبيان حقيقة الغعجاز، فالتفاوت في الصور - مهما تتقارب - شيء لا يكاد يقف عند حد، فإذا بلغ الأثر الأدبي درجة من التمييز لا يلحقه فيها أي اثر آخر صح أن يسمى معجزًا، ومثل هذا التفاوت
(١) الدلائل: ٣٤٢ - ٣٥٤.
(٢) الدلائل: ٣٥٥.