أن يكون الإعجاز في ترتيب الحركات والسكنات، أي في طبيعة الإيقاع لان ذلك قد ينطبق على مثل حماقات مسيلمة في قوله " إنا أعطيناك الجماهير فصل لربك وجاهر "، ولا يتحقق الإعجاز بالفواصل لان الفواصل في الآي كالقوافي في الشعر، وذلك أمر كان العرب قد أتقنوه فلم يعد معجزًا لهم. فإذا بطل ان يكون الإعجاز متأنيًا من هذه الأمور، فهل الإعجاز آت من الاستعارة؟ ذلك أيضًا ممتنع " لأن ذلك يؤدي أن يكون الإعجاز في آي معدودة في مواضع من السور الطوال مخصوصة " (١)، وإذا كانت كل هذه الأمور مجتمعة أو منفردة لا تحقق الإعجاز " فلم يبق إلا أن يكون (الإعجاز) في النظم والتأليف " (٢) .
تحديد معنى النظم بالتزام الأوضاع النحوية
ما المقصود بالنظم والتأليف - وهما مترادفان في رأي عبد القاهر -؟: يقرر الجرجاني أولًا أنه ليس للفظة في ذاتها، لا في جرسها ولا دلالتها، ميزة أو فضل أولي، وليس بين أية لفظة وأخرى في حال انفراد كل منهما عن أختها من تفاضل؛ لا يحكم على اللفظة بأي حكم قبل دخولها في " سياق " معين، لأنها حينئذ وحسب ترى في نطاق من التلاؤم أو عدم التلاؤم؛ وهذا السياق هو الذي يحدث " تناسق الدلالة " ويبرر فيه " معنى " على وجه يقتضيه العقل ويرتضيه. وربط الألفاظ في سياق يكون وليد الفكر لا محالة، والفكر لا يضع لفظة إزاء أخرى لأنه يرى في اللفظة نفسها ميزة فارقة، وإنما يحكم بوضعها لان لها معنى ودلالة بحسب السياق نفسه، ولهذاكانت " المعاني " لا الألفاظ هي المقصودة في إحداث النظم والتاليف، فلا نظم في الكلم ولا تأليف حتى يعلق بعضها ببعض ويبنى بعضها على بعض، وبهذا يكون اللفظ تابعًا للمعنى، بحسب ما يتم ترتب المعنى في النفس (٣) .
(١) دلائل الإعجاز: ٢٧١ - ٢٧٤.
(٢) المصدر نفسه: ٢٧٤.
(٣) دلائل الإعجاز: ٣٨ - ٤٧ وانظر أيضًا ص: ٦٤