من قبول الحق والتوصل إليه بطرقه وهو قبيح واللَّه تعالى عن فعل القبيح علوا كبيرا لعلمه بقبحه وعلمه بغناه عنه. وقد نص على تنزيه ذاته بقوله: (وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [ق: ٢٩]، (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) [الزخرف: ٧٦]، (إِنَّ اللَّهَ لا يَامُرُ بِالْفَحْشاءِ) [الأعراف: ٢٨]، ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل؟ قلت: القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها. وأما إسناد الختم إلى اللَّه ﷿، فلينبه على أنّ هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشئ الخلقي غير العرضي. ألا ترى إلى قولهم: فلان مجبول على كذا ومفطور عليه، يريدون أنه بليغ في الثبات عليه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: فالإحداث فعل الله حقيقةً، والختم والتغشية مجازٌ كما مر.
قوله: (لعلمه بقبحه) يعني من ارتكب قبيحًا إنما يرتكبه لأمرين: إما للجهل بكونه قبيحًا، أو للاحتياج إلى فعله. والله تعالى منزهٌ عنهما.
و«الفاء» في «فلم» دلت على إنكار، يعني: أن الختم لما كان عبارةً عن المنع من قبول الحق فلم أسند إلى ذاته.
قوله: (القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها) أي: المقصود من الإسناد المبالغة في الإباء عن قبول الحق، فعبر عن المبالغة بقوله: «كالمختوم عليها»، هذا خلاصة الجواب، والوجوه الآتية بيانٌ لهذا المعنى على طرقٍ شتى.
قوله: (فلينبه) هذا هو الوجه الأول من الوجوه وخلاصته: أن (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) الآية بكاملها معبرةٌ عن فرط تمكن الكفر فيهم على الكناية الإيمائية: وهي أن تؤخذ الزبدة والخلاصة من الجملة من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة والمجاز.
قال المصنف في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]: هذا كنايةٌ عن الملك، قالوا: فلانٌ استوى على العرش، يريدون ملك وإن لم يقعد على السرير البتة، وإليه الإشارة