Guidelines for the Best Way to Make Friends
دلائل التوفيق لأصح طريق لجمع الصديق
سیمې
مصر
ملخص البحث
فهذا بحث بعنوان: " دَلَائِلُ التَّوْفِيقِ لِأَصَحِ طَرِيقٍ لِجَمْعِ الصِّدِّيِقِ"، وهو الجمع الثاني للقرآن الكريم الذي نهض له وقام به وتعاهده الخليفة الراشد أبو بكر الصِّديق بمشورة الفاروق عمر بن الخطاب وتكليف زيد بن ثابت الأنصاري بمهمة رئاسة لجنة الجمع، كما تم الجمع- كذلك- بمشاركة الصحابة ﵃ أجمعين، وكان ذلك سنة اثنتي عشرة للهجرة.
فقام الصِّديق ﵁ وجَمَعَ فيه القرآنَ بين دفتي لوح واحد بعد أن كان مفرقًا في عهد الجمع النبوي الأول، وكان ذلك إثر مقتل سبعين من القراء في موقعة اليمامة، والتي خُشِيَ من إثراها ذهاب القرآن بذهاب حملته.
وهذا البحث قد جمعه الباحث ورغب في تقديمه في صورة مختصرة تجمع بين التأصيل العلمي، وبين التحقيق والتدقيق، ولا سيما في بعض المسائل التي وقع فيها خلاف بين بعض أهل العلم، وبعض المسائل والقضايا التي كثر تناولها وتداولها دون تثبت حتى أضحت من المسلمات البديهيات، كما اعتنى الباحث بسلاسة الأسلوب وسهولة العبارة وجزالة الألفاظ وحسن وجمال العرض، ليدنيه من نظر طالبيه، ويقربه ويسهل تناوله لراغبيه، راجيًا أن يتقبله الله من عبده الضعيف بقبول حسنٍ ويُنَمِّيه.
67 / 97
المقدمة
الْحَمْدُ لِلَّهِ والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه
وبعد:
فإن القرآن الكريم، كلام رب العالمين، ووحيه المبين، الذي أنزل الله على خاتم النبين والمرسلين نبينا محمد خير خلقه أجمعين ﷺ، قد عظَّمه اللهُ أيِّمَا تعظيم، وأجلَّه أيِّمَا إجلال، فوَصَفه بأحسن الصفات، ونعته بأجلِّ وأعظم النعوت، وسماه أجمل الأسماء، وهو سبحانه المبتدئ بتعظيمه وتوقيره وإجلاله، وقد حفظه سبحانه عنده في مكان مصون لا يقربه إلا الملائكة الأطهار، فقال في وصفه سبحانه: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ) (البروج: ٢١ - ٢٢)، ثم جَمَعَ وَصْفَهُ ومكانه المصون فيه، وَصِفَةَ الملائكة الذين لا يمسه سواهم، وَصِفَةَ منزله سبحانه في قوله جل في علاه: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الواقعة: ٧٧، ٨٠).
ولعظم قدر كلام ربنا فقد اصطفى سبحانه صفوة ملائكته من أهل السماء لينزل به في أعظم وأشرف بقعةِ من المعمورة، على صفوة خلقه من أهل الأرض، في سيدة الليالي من سيد الشهور.
فقد اصطفى من الملائكة أكرمَهم وأصفاهم لتنزيله فقال سبحان في وصف الملك الكريم الذي نزل بالقرآن: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (الشعراء: ١٩٣)، ثم اصطفى أطهر القلوب ليكون محل تنزل كلامه فيسكنه فؤاده لِيَعِيِهِ، ويحفظه له فيه، فيقوم بحقه في نفسه وفي بلاغه لأمته عن ربه ليرضيه، فقال سبحانه عن ذلك المحل الذي أنزله عليه وأودعه فيه: (عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) (الشعراء: ١٩٤)، وقال سبحانه في ذلك أيضًا: (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (البقرة: ٩٧).
وكان ذلك في أعظم ليلة والتي وصفها ربنا بأنها ليلة مباركة فقال سبحانه: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (الدخان: ٣)، وتلك الليلة هي ليلة القدر التي قال سبحانه فيها: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (القدر: ١ - ٣)، وكان ذلك في أفضل شهر كما قال ربنا: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: ١٨٥)
وجعل بداية ونهاية تنزله في مكة المكرمة عند بيته العتيق الذي قال سبحانه فيه: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) (آل عمران: ٩٦)، وجعل مختتم نزوله وتوديع وحيه المنزل في حجة الوداع في شهر حرام
67 / 98
بجوار بيته الحرام، قال سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: ٣).
وعلى هذا الإجلال والتعظيم والتبجيل لكلام رب العالمين رَبَّى النبيُ الكريم أصحابَه ﵃، فأحبوا كلام الله وقاموا به في محاربيهم يتلونه زرفانًا ووحدانًا، وعمَّروا به أوقاتهم وتمسكوا بهداه فأحلُّوا حلاله وحرَّموا حرامه وجعلوه مِلْءَ قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وتداوا به من العلل الحسية والمعنوية، وتحاكموا إليه في كل شؤون حياتهم.
وقد انتقل النبيُ ﷺ إلى الرفيق الأعلى والقرآن لم يجمع في مكان واحد، ولمَّا آلت الخلافة إلى الصِّدِيِق الأول ﵁ وقتل في عهده سبعون من القراء في حرب المرتدين في وقعة اليمامة، وَخُشِيَ ذهاب القرآن بذهاب حملته فهبَّ ﵁ ومعهم جموع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين للقيام بأعظم عمل من الأعمال التي عرفها تاريخنا المجيد، فجمع القرآن بين دفتي مصحف واحد.
وهذا البحث هو نقل مشهد حِسِّي واقعي لهذا العمل العظيم الذي قام به صِّدِيقُ الأمة الأول وعاونه عليه هؤلاء الأعلام الكبار من السابقين الأولين للإسلام من طليعة هذه الأمة رضوان الله عليهم أجمعين.
خطة البحث
وقد ضمَّن الباحثُ بحثَه خطة بحث مكونة من أربعة فصول، وكل فصل مكون من عدة مباحث، وقد بيَّن فيه ما يلي:
أولًا: أهمية موضوع البحث
ثانيًا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها
ثالثًا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث
رابعًا: مشكلة البحث وأهدافه
خامسًا: منهجية البحث
سادسًا: خاتمة البحث، وبيان أهم النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة المختصرة.
سابعًا: مجموع الفهارس:
وخطة البحث تشتمل على أربعة فصول على النحو التالي:
الفصل الأول
بواعث جمع أبي بكر وأسبابه ودواعيه
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: بداية فكرة الجمع في عهد أبي بكر الصديق-﵁
المبحث الثاني: موقف الصحابة من جمع أبي بكر للقرآن
المبحث الثالث: أهم بواعث جمع أبي بكر-﵁
الفصل الثاني
خصائصه ومزاياه
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: أبرز مزايا هذا الجمع
المبحث الثاني: بيان أن ترتيب الآيات في السور توقيفي
المبحث الثالث: عرض الأقوال الواردة في ترتيب السور مع الترجيح بينها
المبحث الرابع: بداية مخالفة ومعارضة الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي وبيان مصدره
الفصل الثالث
بيان شروط جمع أبي بكر- ﵁ والصفة التي تم بها
وفيه سبعة مباحث:
67 / 99
المبحث الأول: التعريف بـ " زيد بن ثابت " المكلف بالجمع
المبحث الثاني: أبرز المقومات الداعية لاختيار " زيد "
المبحث الثالث: أسباب اختيار " زيد " لهذه المهمة إجمالًا
المبحث الرابع: الدواعي لهذا الجمع
المبحث الخامس: مميزات جمع أبي بكر- ﵁
المبحث السادس: منهج أبي بكر الذي وضعه لـ " زيد " في جمع وتدوين القرآن الكريم
المبحث السابع: مصير صحف أبي بكر- ﵁
الفصل الرابع
تاريخ وزمن هذا الجمع وأبرز نتائجه
وفيه مبحثان
المبحث الأول: أبرز نتائج جمع أبي بكر- ﵁
المبحث الثاني: أوّل من سمى القرآن بالمصحف
منهجية البحث
أولًا: أهمية موضوع البحث
إذا كان شرف العلم من شرف المعلوم، فإن موضوع البحث متعلق بأشرف وأعظم وأجل كتاب "القرآن الكريم" هذا على العموم، وعلى الخصوص فإنه متعلق بقضية جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁، تلك القضية التي أقلقت مضاجع صفوة الرعيل الأول من جيل الصحابة وهم حماة الدين وورثة علم النبوة وهم خيرة هذه الأمة، فقاموا بحق كتاب ربهم حق قيام ونهضوا لجمعه كما كان في عهده الأول سليمًا من الزيادة والنقصان، سليمًا من التغير والتبديل، وكان جمعهم للقرآن موافقًا للجمع الأول تمامًا، ولكنهم جمعوه في مكان واحد بعد أن كان مفرقًا بين العُسُبِ واللِّخَافِ وغيرها، كما جمعوه من المحفوظ في صُدُورِ الرِّجَالِ كذلك.
والقرآن الكريم قد تكفَّل الله تعالى في بحفظه في كل أطواره تنزله، والشواهد على ذلك من كتاب الله كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
١ - قال سبحانه في عموم حفظه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩) أي من أن يُزاد فيه أو يُنقص، وهذا قول عموم أئمة التفسير، ولا يُعلم له مخالف.
٢ - ومن ذلك أيضًا قوله سبحانه: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) (فصلت: ٤٢) والباطل: إبليس، لا يستطيع أن ينقص منه حقًا، ولا يزيد فيه باطلًا. (^١).
٣ - ومن ذلك أيضًا قوله سبحانه: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) (الكهف: ٢٧) وقوله: (لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) أي: لا مغير لها، ولا محرِّف، ولا مؤوّل. (^٢)، والشواهد العامة على ذلك في كتاب الله تعالى أكثر من أن تُحصى.
والقرآن قد حفظه الله تعالى في كل أطواره تنزله، فأثبته الله تعالى وحفظه في اللوح المحفوظ في السماء قبل نزوله، وحفظه في طريق نزوله إلى الأرض، وحفظه بعد نزوله كذلك إلى الأرض على رسوله ﷺ، وسيبقى كذلك إلى أن يُرْفَعَ في آخر
(^١) - تفسير الطبري: (٢١/ ٤٧٩). جامع البيان في تأويل القرآن، المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ) المحقق: أحمد محمد شاكر الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ٢٤
(^٢) تفسير ابن كثير: (٥/ ١٥١). تفسير القرآن العظيم، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ) المحقق: محمد حسين شمس الدين الناشر: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٩ هـ
67 / 100
الزمان.
أولًا: حفظ القرآن الكريم في السماء:
والقرآن الكريم قبل نزوله محفوظ في اللوح المحفوظ في السماء كما قال ربنا: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج: ٢١، ٢٢). فهو في اللوح المحفوظ، مصون مستور عن الأعين، لا يطلع عليه إلاّ الملائكة المقربون، ولا يمسه في السماء إلاّ الملائكة الأطهار، ولا يصل إليه شيطان، ولا يُنال منه. (^١)
وقد جعله الله تعالى كتابًا معظمًا في كتاب معظم محفوظ موقر (^٢)، وقد أقسم الله تعالى على ذلك في كتابه فقال سبحانه: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الواقعة: ٧٥، ٨٠).
ثانيًا: حفظ القرآن الكريم في طريق نزوله إلى الأرض
فالذي نزل به ملك منزه مطهر أمين على وحي الله كما قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥).
فلا يستطيع شيطان الاقتراب من السماء لاستراق السمع طمعًا في الاطلاع على أخبار السماء وقت نزوله كما قال ربنا: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ. إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ (الصافات: ٧ - ١٠)، والشياطين لمَّا حاولوا ذلك ما استطاعوا لأن السماء قد حفظت بحراسة مشددة من الملائكة وبالشهب الحارقة، وقد وصف الله تعالى محاولة فئة من الجنِّ ذلك في سورة "الجنِّ" في قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدَا. وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدَا﴾ (الجن: ٨ - ١٠)
ثالثًا: حفظ القرآن الكريم بعد نزوله على الأرض على النبي ﷺ.
لقد حفظ الله ﷿ القرآن الكريم كذلك بعد أن أنزله على رسوله ﷺ والذي قام بحقه خير قيام في حفظه وبلاغه عن ربه، وكان ﷺ من شدة حرصه على حفظه وتلقيه يحرص على التعجل بتلقيه من فِي جبريل ﵇، فقال له ربه: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه: ١١٤)، ثم وعده الله تعالى بحفظه له في صدره، فطمأنه ربه بتحقيق وعده فقال له سبحانه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٦ - ١٩).
فكان ﷺ يحرك به لسانه ويتعجل ويبادر بأخذه من فِي جبريل محرِّكًا به شفتيه حين قراءة الملك للقرآن يَخْشى أن يَتَفَلَّتَ منه، فوعده الله أن يجمعه له في
(^١) الضوء المنير، لابن القيم: (٥: ٥٨٧).
(^٢) - تفسير ابن كثير: (٤/ ٥٣٧). بتصرف يسير.
67 / 101
صدره ويُبيَّنه له على لسانه، ثم يقرأه على الناس من غير أن ينسى منه شيئًا.
وهكذا يتبين لنا أن الله تعالى قد حفظ القرآن الكريم وهو في السماء، وحفظه وقت نزوله منها، وحفظه بعد نزوله إلى الأرض.
ولقد مر جمع القرآن بثلاث مراحل، وكان جمعه في مراحله جميعًا محفوظًا في الصدور مكتوبًا في السطور.
أما المرحلة الأولى: فكانت في عهد النبي ﷺ، وقد حرص ﷺ على حفظ القرآن الكريم، وقد جمعه الله له في صدره، كما اعتنى ﷺ بتعليمه أصحابه ورغبهم في حفظه واستظهاره واتَّخَذَ من صفوة حفَّاظهم كتّابًا للوحي يكتبون كلّ ما ينزل عليه بين يديه، وانتقل النَّبيُ ﷺ إلى الرفيق الأعلى ولم يُجمع القرآنُ كله في مكان واحد في حياته لا في صحف ولا في مصاحف، بل كُتب مفرقًا بين الرِّقَاع، وَالأَكْتَافِ، وَالْعُسُبِ ونحوها من أدوات الكتابة المستخدمة في هذا العهد المبارك، وكان حرصه ﷺ على عدم جمع القرآن بين دفتي صحيفة واحدة ترقبًا لتجدد الوحي وتتابع نزول شيء جديد منه حتى وفاته، فلو أنه رتبه أولًا بأول وجمع القرآن في مكان واحد بين دفتي مصحف واحد لحصل من جراء ذلك من المشقة والعنت ما لا يخطر ببال، ولأدى هذا الترتيب إلى حدوث تغيير وتبديل في موضع السور والآيات كلما نزل عليه ﷺ شيء جديد من الوحي، وفي هذا مالا يخفى من المشقة البالغة التي جاءت الشريعة الغراء برفعها ودفعها.
وأما المرحلة الثانية: فكانت في عهد أبي بكر الصديق ﵁،
ولقد ظل القرآن الكريم مفرقًا غير مجموع بين دفتي مصحف واحد، إلى أن آلت الخلافة إلى أبي بكر، وقامت حروب الردة، واستحرّ القتل بالقراء في وقعة اليمامة - سنة اثنتي عشرة للهجرة - التي قتل فيها سبعون قارئًا من حفاظ القرآن. فهالَ ذلك الأمر عمر بن الخطاب، وخشي أن يضيع شيء من القرآن بموت حفاظه وقرائه، فأشار على أبي بكر بجمع القرآن خشية ضياع شيء منه بقتل القراء والحفَّاظ، فكان هذا هو الدافع الرئيس لهذا الجمع، فقام الصديق بجمع ما كُتب مفرقًا في بين يدي رسول الله ﷺ من الرِّقَاع، وَالأَكْتَافِ، وَالْعُسُبِ، واللخاف، والأضلاع، والأقتاب، والأَلواحِ في مكان واحد، فكان جَمْعُهُ ﵁ هو نفس ما كتب في عهد النبوة مرتب الآيات والسور، لكنَّه جَمَعَهُ في مكان واحد بعد أن كان مفرقًا.
وأما المرحلة الثالثة: فكانت في عهد عثمان بن عفان ﵁.
ولقد اختلفت أسباب الجمع في عهده عن أسباب الجمع في عهد الصدِّيق-﵄؛ ولقد كان الصحابة يقرؤون القرآن على الأحرف السبعة التي أقرأهم عليها رسول الله ﷺ، إلى أن وقع الاختلاف بين القراء في الفتوحات زمن عثمان ﵁، ولمّا عظم الخطب أفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في
67 / 102
الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فتدارك عثمانُ الأمرَ قبل تفاقمه.
ويكتفي الباحث - هنا- ببيان هذه المرحلة بإيجاز بما رواه البخاري عن أنس بن مالك ﵁: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبدالله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القُرْآن، فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم (يعني ابتداءً)، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمانُ الصحفَ إلى حفصة، وأرسل إلى كل أُفُق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القُرْآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. (^١)
ثانيًا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها
لم يقف الباحث في حدود بحثه الضيق على بحث متأصل تناول جمع الصديق ﵁ ببحث علمي مستقل، ولكن جاء تناوله ضمن جمع القرآن في مراحله الثلاث في عدد من البحوث العلمية، ومن أبرزها ما يلي:
الدراسة الأولى: جمع القران في مراحله التاريخية من العصر النبوي إلى العصر الحديث، تأليف: محمد شرعي أبو زيد، رسالة ماجستير، كلية الشريعة، جامعة الكويت، سنة النشر: ١٤١٩ هـ.
وصف البحث:
هذا البحث يُبرِز عناية المسلمين بحفظ القرآن من عهد النبوة إلى الآن، ويُؤكِّد أن نقل القرآن حظِيَ بأقصى درجات العناية من المسلمين، ويرُدُّ على شبهات الطاعِنِين من أعداء الإسلام على نقل القرآن الكريم، ولجودة البحث وحسن صياغته وجودة عرضه وسبك أسلوبه وقوة حجته قد أفاد منه الكثير من الباحثين ونهلوا منه.
الدراسة الثانية: جمع القرآن (دراسة تحليلية لمروياته)، أصل الكتاب رسالة علمية، بكلية العلوم الإسلامية - جامعة بغداد، أشرف عليها الدكتور عمر محمود حسين السامرائي، ومؤلفها الباحث: أكرم عبد خليفة حمد الدليمي الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م، عدد الأجزاء: ١.
وصف الكتاب:
وهو عبارة عن أطروحة علمية، قدمها الباحث لكلية العلوم الإسلامية، ولم يحدد المرحلة التي نال شهادتها بهذا البحث. وقد قسم الباحث هذا البحث إلى
(^١) - البخاري حديث (٤٩).
67 / 103
مقدمة وأربعة فصول وخاتمة.
وقد تناول بحثه في أربعة فصول، فتناول كتابة القرآن في عهوده الثلاثة، كل مرحلة في فصل مستقل، وقد تابع فيها كثيرًا ممن سبقه، ثم تناول فيه شبهات حول القرآن في الفصل الرابع.
والباحث في هذا البحث تراه ممسكًا من علمين بطرف، هما: علوم القرآن والحديث. لكنه أقرب إلى الحديث ودراسة الأسانيد منه إلى علوم القرآن. وقد جاءت دراسة أسانيده والحكم عليها وتخريجها مختصرة جدًا. وهذا يلحظه المتتبع لتلك المرويات.
وقد بذل الباحث وفقه الله جهد مشكورًا وطرق موضوعًا رائعًا جديرًا بالبحث حاول أعداء الدين التسلل من خلاله للنيل من كتاب الله ومحاولة التشكيك فيه، وقد وفق في عرض شبههم والجواب عنها بأجوبة قريبة يستوعبها كل من يطلع عليها. (^١)
الدراسة الثالثة: جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين، عبد القيوم بن عبد الغفور السندي، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف-المدينة النبوية، الطبعة: الأولى، سنة النشر: ١٤٢١ هـ، عدد المجلدات: ١.
وصف الكتاب:
لقد تناول الباحث الجمع في عهديه الثاني والثالث، ولم يتعرض للجمع في العهد النبوي مع أهميته ومكانته لأن بحثه جاء ضمن محاور ندوة خاصة عقدها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة بعنوان: عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه، ولكون بحثه هو أحد محاور الندوة ..
وقد اشتمل بحثه على ثلاثة مباحث في مجلد واحد في حدود ٧٢ صفحة، وقد تناول في المبحث الأول: جمع أبي بكر ﵁، ثم تناول في المبحث الثاني: جمع عثمان ﵁، وأما المبحث الثالث فلم يسمه، وقد تناوله في مطلبين، أما المطلب الأول فتناول فيه الفروق المميزة بين الجمعين، وأما المطلب الثاني فقد تناول فيه الأحرف السبعة ومراعاتها في الجمعين.
وكان على الباحث مراعاة جوانب هامة والانتباه لها، ومن أبرزها ما يلي:
١ - التقدمة للجمع في العهد النبوي ولو في التمهيد لأنه الأساس الذي بنيت عليه مراحل الجمع كلها، ولارتباط الجمع في عهديه التاليين به ارتباطًا وثيقًا، غير أنه أشار إليه إشارة سريعة في سطرين فحسب.
٢ - الانتبهاه لما ذهب إليه أبو عمر الداني في"الأرجوزة المنبهة"إلى أن جبريل ﵇ كان يعارض النبي ﷺ كل عام بواحد من الحروف السبعة، حيث يقول:
وكان يعرض على جبريل … في كل عام جملة التنزيل
فكان يقريه في كل عرضة … بواحد من الحروف السبعة
حتى إذا كان بقرب الحين … عرضه عليه مرتين (^٢)
وهذا التفصيل لا يصح وهو محل نظر عند أهل التحقيق وقد قال به غير
(^١) يُنظر: تقرير عن كتاب (جمع القرآن: دراسة تحليلية لمروياته) للدكتور أكرم الدليمي، ملتقى أهل التفسير، عبدالله الحربي، بتاريخ: ٤/ ١١/ ٢٠٠٨ م. بتصرف يسير.
(^٢) -الأرجوزة المنبهة لأبي عمرو الداني، البيت رقم: (٧٠ - ٧٢)، (ص: ٨٧).
الأرجوزة المنبهة على أسماء القراء والرواة وأصول القراءات وعقد الديانات بالتجويد والدلالات، عثمان بن سعيد الداني أبو عمرو الأندلسي (٣٧١ - ٤٤٤ هـ)، تحقيق: محمد بن مجقان الجزائري، الطبعة الأولى عن دار المغني- الرياض- هـ ١٤٢٠ - ١٩٩٩ م، عدد المجلدات: ١
67 / 104
واحد من أهل العلم غير الداني. وإذا تأملنا في زمن الاستزادة من الأحرف السبعة تحقق لدينا أن ذلك كان في المدينة قبيل وفاة النبي ﷺ بقرابة عام أو عامين اثنين، وقصة عمر وهشام بن حكيم في اختلاف قراءتيهما في سورة الفرقان خير شاهد، وذلك لأن هشامًا من مسلمة الفتح، وأن ذلك كان قُبيل انتقال النبي ﷺ للرفيق الأعلى بعامين على الأكثر، وكذلك ما وقع لأبي بن كعب مع ابن مسعود في سورة النحل.
فكيف كان يعرض عليه جبريل في كل عام بحرف من الأحرف السبعة! وهي لم تنزل بعد! وهذا خلف من القول من عَلَمٍ كأبي عمرو الداني، ولكن جل من لا يسهو.
٣ - الانتباه لكثرة النقول في البحث والتي غيبت وجود قلم الباحث في كثير من مواطن البحث.
وهناك بعض ملاحظات أخرى غير جوهرية، وهذه الملحوظات وغيرها لا تقل من قيمة البحث العلمية ولا من جهدالباحث الذي قد أجاد وأفاد فجزاه الله خيرًا.
الدراسة الرابعة: مواقف المستشرقين من جمع القرآن الكريم ورسمه وترتيبه عرض ونقد، د. أبو بكر كافي، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف-المدينة النبوية، نسخة منشورة (بي دي إف)
وصف الكتاب:
في هذا البحث الماتع يستعرض لنا الباحث -أبو بكر كافي- المواقف المشهورة عن كبار المستشرقين من مسألة جمع القرآن الكريم وتدوينه وترتيبه والمراحل التي مر بها، حيث أثار كثير من المستشرقين شبهات ومزاعم باطلة حول هذه المسألة، وفي هذا الكتاب يعرض لنا المؤلف هذه المزاعم والشبهات كما أنه يحلل لنا دوافعها وأهدافها ويتعقبها بالنقد والرد ليدحضها بشكل علمي وموضوعي مبينًا كم الأغاليط الموجودة فيها.
الدراسة الخامسة: جمع القرآن الكريم حفظا وكتابة، أ. د. علي بن سليمان العبيد، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف-المدينة النبوية، الطبعة: الأولى، سنة النشر: ١٤٢١ هـ، عدد المجلدات: ١.
وصف الكتاب:
لقد تناول الباحث الجمع في عهوده الثلاثة باختصار شديد في قرابة: ٧٣ صفحة، وقد تبع من سبقه، وقد جاء بحثه متميزًا بسهولة الأسلوب ووضوح العبارة، فجزى الله الباحث خيرًا، ولكنه لم يضف إلى بحثه جديد بحث.
الدراسة السادسة: جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين، أ. د. فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي، عدد الصفحات: ٤٢، مصدر الكتاب: موقع الإسلام.
وصف البحث:
هو بحث مختصر للغاية، غير أن صاحبه له رسوخ في تقديم مادة علمية مؤصلة وإن كانت موجزة.
67 / 105
ثالثًا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث
يُعد تقريب علوم القرآن بأسلوب علمي سهل المأخذ قريب التناول من الأسباب الرئيسة الدافعة لاختيار موضوع البحث، إضافة إلى أن جمع القرآن في عهوده الثلاثة ما يزال يحتاج إلى تقريب وتحقيق وتدقيق في بعض مسائله وتجليتها للعيان، وإلقاء الضوء على ما نقله جيلٌ عن جيلٍ بصورة صحيحة مع التنبيه على مالم تثبت صحته من آثار تتعلق بموضوع البحث، وقد اختار الباحث تناول جمع الصديق بالبحث والدراسة لأنه لم يقف في حدود بحثه على دراسة خاصة بهذا الجمع، كما رغب الباحثُ إبرازَ جانبِ العناية التامة والتحري والدقة التي لاقها جمع القرآن في عهد الصديق وأجمعت عليه الأمةُ سلفًا وخلفًا على صحته ودقته وسلامته.
رابعًا: مشكلة البحث وأهدافه
هناك إشكالات تتعلق بموضوع البحث من أبرزها ما يلي:
١ - لماذا لم يُجمع القرآن في عهد النبوة في مكان واحد؟
٢ - هل اختلف جمع الصديق عن الجمع في عهد النبوة؟
٣ - هل جمع القرآن في مكان واحد يُعد من الابتداع في الدين؟
٤ - هل اشتمل جمع الصديق ﵁ على الأحرف السبعة؟
٥ - هل كان ترتيب الآيات في السور بتوقيف من النبي ﷺ أم كان باجتهاد من الصحابة ﵃.
وكان من أبرز أهداف البحث إبراز هذه الإشكالات الواردة وحلها بإلقاء الضوء عليها وتناولها بالبحث والدراسة والتحقيق والتدقيق.
خامسًا: منهجية البحث
لقد سلك الباحث في تناول بحثه أكثر من منهج بحثي ومن أبرز ذلك ما يلي:
١ - المنهج الاستقرائي التحليلي
٢ - المنهج النقدي
٣ - المنهج التاريخي
ففي الفصل الأول: استقرأ الباحثُ بواعث جمع أبي بكر وأسبابه ودواعيه، وربط العلاقة التي بينه وبين الجمع الأول في العهد النبوي.
وفي الفصل الثاني: عرض الباحثُ خصائصَ هذا الجمع ومزاياه عرضًا تحليليًا باستقراء تلك المزايًا التي ميزة هذا الجمع، ثم تعرَّض لترتيب الآيات في السور، فعرض الأقوال الواردة فيها ثم قام بالترجيح بينها، ثم استقرأ بعد ذلك بداية مخالفة ومعارضة الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي وبين مصدره وعرض ذلك كله عرضًا تحليليًا، ثم نقده ونقضه.
67 / 106