فتح القدير
فتح القدير
خپرندوی
دار ابن كثير،دار الكلم الطيب - دمشق
شمېره چاپونه
الأولى
د چاپ کال
١٤١٤ هـ
د خپرونکي ځای
بيروت
سیمې
•یمن
سلطنتونه او پېرونه
زیدي امامان (یمن صعده، صنعا)، ۲۸۴-۱۳۸۲ / ۸۹۷-۱۹۶۲
وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْإِخْفَاءِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ «١» فَلِكَوْنِ الْعِلْمِ يَتَعَلَّقُ بِالْأَعْمَالِ الْخَافِيَةِ وَالْبَادِيَةِ عَلَى السَّوِيَّةِ، وَقَدَّمَ الْمَغْفِرَةَ عَلَى التَّعْذِيبِ لِكَوْنِ رَحْمَتِهِ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وَجُمْلَةُ قَوْلِهِ: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ مُسْتَأْنَفَةٌ: أَيْ فَهُوَ يَغْفِرُ، وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَفْصِيلِ مَا أُجْمِلَ فِي قَوْلِهِ: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ وَعَاصِمٍ. وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَنَافِعٍ، وَأَبِي عَمْرٍو، وَحَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ: بِجَزْمِ الرَّاءِ وَالْبَاءِ، فَالْفَاءُ عَاطِفَةٌ لِمَا بَعْدَهَا عَلَى الْمَجْزُومِ قَبْلَهَا، وَهُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ:
أَعْنِي قَوْلَهُ: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْأَعْرَجُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَعَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ: بِنَصْبِ الرَّاءِ وَالْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَيَغْفِرُ وَيُعَذِّبُ عَلَى إِضْمَارِ أَنْ عَطْفًا عَلَى الْمَعْنَى. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ:
يَغْفِرُ بِغَيْرِ فَاءٍ عَلَى الْبَدَلِ، وَبِهِ قَرَأَ الْجُعْفِيُّ، وَخَلَّادٌ.
وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي نَاسِخِهِ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ الْآيَةَ، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ جَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةَ وَلَا نُطِيقُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ «٢» فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَثَرِهَا: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ «٣» الْآيَةَ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللَّهُ فَأَنْزَلَ: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها إِلَى آخِرِهَا. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وَزَادَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: رَبَّنا لَا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا «٤» قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا «٥» قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا مَا لَا طاقَةَ لَنا بِهِ «٦» قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا «٧» الْآيَةَ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ طُرُقٍ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أحسبه ابن عمر إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ قَالَ:
نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ أَيْضًا.
وَبِمَجْمُوعِ مَا تَقَدَّمَ يَظْهَرُ لَكَ ضَعْفُ مَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَتْ فِي كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمْ يَشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى الصَّحَابَةِ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَبَعْدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِالنَّسْخِ وَالنَّاسِخِ لَمْ يَبْقَ مَجَالٌ لِمُخَالَفَتِهَا، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ الْأَرْبَعِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُلُّ عَبْدٍ هَمَّ بِسُوءٍ وَمَعْصِيَةٍ وَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا، يَخَافُ وَيَحْزَنُ، وَيَشْتَدُّ هَمُّهُ، لَا يَنَالُهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ كَمَا
(١) . آل عمران: ٢٩.
(٢) . البقرة: ٢٨٥.
(٣) . البقرة: ٢٨٥.
(٤) . البقرة: ٢٨٦.
(٥) . البقرة: ٢٨٦.
(٦) . البقرة: ٢٨٦.
(٧) . البقرة: ٢٨٦.
1 / 351