Encyclopedia of Arab Speeches in the Glorious Ages
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
خپرندوی
المكتبة العلمية بيروت
د خپرونکي ځای
لبنان
ژانرونه
•Letters and Rhetoric
سیمې
مصر
المجلد الأول
مقدمة
...
تصدير: الطبعة الأولى:
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمدك اللهم على ما أوليتني من نعمك السابغة، وآلائك الضافية، وأصلي وأسلم على رسولك المجتبى، سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وسلم.
وبعد: فلا مراء أن خطب العرب في عصور ازدهار اللغة مرآة يتجلى فيها ما حباهم الله من ذلاقة اللسان، وعذوبة البيان، ومعرض يتمثل فيه نتاج قرائحهم، وثمرات ألبابهم، في كثير من مناحي القول، وإنها لتعد -بعد القرآن الكريم والحديث الشريف- مثالًا ساميًا للبلاغة العربية، ونموذجًا قويمًا يجتذيه المتأدب في تقويم قلمه المعوج، وشحذ لسانه الكليل، وهي فوق ذلك معين فياض يستقي منه مؤرخ الأدب العربي ما يعن له من آراء، ومادة عزيرة يستنبط منها ما يقفه عليه البحث من فكر.
وقد نظرت فوجدت تلك الخطب مبعثرة منثورة في كتب الأدب والتاريخ، لا يؤلف بينها نظام، ولا يضم أشتاتها كتاب، فإذا ما شئت أن تتعرف صورة الخطابة في عصر
1 / 3
من العصور، أو تترجم لخطيب من خطباء العربية، ألقيت الطريق أمامك وعرة شائكة، وأنفقت مديدًا في التنقيب عن خطبه في بطون الأسفار؛ بله ما يعترضك من مشاق في تحرير ألفاظها، وتحقيق عباراتها، لما نالها من عبث النساخ والطباع، من التصحيف والتحريف الذي ينبهم معه معناها، ويستغلق به تفهمها.
كل أولئك حدا بي أن أعبد السبيل لشداة الأدب العربي إلى ذلك التراث النفيس، الذي يتوقون إلى الارتواء من مناهله العذبة؛ فلا يكادون يسيغونها، ويصبون إلى اجتناء ثماره الشهية؛ فتحول دونها الأشواك، وفيهم من درس اللغات الإفرنجية، وتزود من أفكار الغربيين وآرائهم بقسط وفير؛ ولكنه تعوزه جزالة اللفظ، ورصانة الأسلوب.
استخرت الله؛ فجمعت كل ما أثر عن العرب في عصور العربية الزاهرة، من خطب ووصايا من مظانها -على قدر ما هداني إليه اطلاعي- وضمت إليها ما دار في مجالس الملوك والخلفاء والرؤساء، من حوار ومجاوبة، أو جدال ومناظرة، مما يدخل في باب الخطب، وينتظم في سلكها، وأودعتها ذلك السفر كي يكون لها ديوانًا جامعًا، ومرجعًا عامًّا، يسهل مراجعتها فيه، وسميته: جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة.
وبوبته أربعة أبواب في ثلاث أجزاء:
الجزء الأول:
ويحوي الباب الأول في خطب الجاهلية، والباب الثاني في خطب صدر الإسلام.
الجزء الثاني:
ويحوي الباب الثالث: في خطب العصر الأموي.
الجزء الثالث:
ويحوي الباب الرابع: في خطب العصر العباسي الأول، وذيل الجمهرة، في خطب متفرقة.
1 / 4
وإذا كان الشريف الرضي ﵀ قد أفرد خطب الإمام علي كرم الله وجهه بمؤلف خاص، وهو: "نهج البلاغة" والإمام أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور، قد جمع في مؤلفه: "بلاغات النساء" طائفة قيمة من كلام بليغات النساء، وطرائف أقوالهن. رأيت أن نقلي ما ورد في هذين السفرين الجليلين بحذافيره، ليس على الحقيقة إلا ضمهما إلى كتابي، وتضخيمة بهما؛ ولذلك اجتزأت بإيراد جمله صالحة مماجاء فيهما؛ مما استدعاه المقام.
ولم أقتصر على إيراد الخطبة بإحدى الروايات الواردة فيها؛ بل عنيت بالتوفيق بين الروايات المختلفة، وإتمام بعضها من بعض، لما في ذلك من زيادة الفائدة للقارئ؛ فإذا ما رأيت الخطبة مروية بصورتين يتبين فيهما الاختلاف، أوردت الصورتين جميعًا.
وقد ضبطت ألفاظها ضبطًا وافيًا، وعقبت كل خطبة بذكر مصادرها التي نقلتها عنها، كما ذيلتها بشرح يفسر غريب ألفاظها، ويحل مستغلق كلماتها، وأوردت فيه كل ما تمس إليه الحاجة في فهمها، من نبذ تاريخية توضح المقامات التي ألقيت فيها، إلى ما هناك.
ولست أستطيع أن أصور للقارئ مقدار ما عانيت من المتاعب في رد كثير من الألفاظ إلى أصولها الصحيحة، بعد تقليبها على كل وجه ممكن، حتى تخلص من شوائب التشويه الشائن. الفاشي في كتب الأدب والتاريخ.
وإني أقدم كتابي هذا إلى أبناء العربية الشريفة، وفاء بما لها في عنقي من حق واجب، وصنيعة مشكورة، والله أسال أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به النفع المرجو منه، وأن يمدني بروح منه، ويظلني بظلال الصحة
1 / 5
والعافية، حتى أصدر ما اعتزمت إصداره بعد تمام هذا الكتاب إن شاء الله، وهو كتاب: "جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة".
كي تكمل حلقة النثر العربي في تلك العصور، إنه المستعان، عليه توكلت وإليه أنيب،
أحمد زكي صفوت
حرر بالقاهرة في ربيع الآخر سنة ١٣٥٢هـ.
يوليو سنة ١٩٣٣م.
1 / 6
فهرس: مآخذ الخطب في هذا الجزء:
الأمالي لأبي علي القالي: الجزء الأول - الثاني - ذيل الأمالي
الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني: "الرابع - السابع - الثامن - الحادي عشر - الرابع عشر - الخامس عشر
صبح الأعشى لأبي العباس القلقشندي: الجزء الأول - الثاني
نهاية الأرب لشهاب الدين النويري: "الثالث - الخامس - السابع
عيون الأخبار لابن قتيبة الدينوري: المجلد الثاني
الكامل لأبي العباس المبرد: الجزء الأول - الثاني
العقد الفريد لابن عبد ربه: الجزء الأول - الثاني - الثالث
زهر الآداب لأبي إسحق الحصري: الجزء الأول
البيان والتبيين للجاحظ: الجزء الأول - الثاني - الثالث
نهج البلاغة للشريف الرضي: الجزء الأول
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: المجلد الأول - الثاني - الثالث - الرابع
أمالي السيد المرتضى: الجزء الأول - الثاني
مجمع الأمثال لأبي الفضل الميداني: الحزء الأول - الثاني
جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري: الحزء الأول - الثاني
خزانة الأدب لعبد القادر البغدادي: الجزء الأول
1 / 7
تاريخ الأمم والملوك لأبي جعفر بن جرير الطبري: الجزء الثاني - الثالث - الرابع - الخامس - السادس
تاريخ الكامل لابن الأثير: الجزي الأول - الثاني - الثالث
مروج الذهب للمسعودي: الجزء الأول - الثاني
الإمامة والسياسة لابن قتيبة: الجزي الأول
المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء: الجزء الأول
معجم البلدان لياقوت الحموى: الجزء الثامن
سيرة النبي ﷺ لابن هشام: الأول - الثاني
السيرة الحلبية لابن برهان الدين الحلبي: الجزء الأول
إعجاز القرآن لأبي بكر الباقلاني:
بلاغات النساء لان أبي طاهر طيفور:
سرح العيون، شرح رسالة ابن زيدون:
لابن نباتة المصري:
أنباء نجباه الأبناء لابن ظفر المكلي:
المحاسن والأضداد للجاحظ:
الشعر والشعراء لابن قتيبة:
شرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون:
بلوغ الأرب للسيد محمود شكري: الجزء الأول - الثالث
الألوسي:
مفتاح الأفكار للشيخ أحمد مفتاح:
1 / 8
الباب الأول: الخطب والوصايا في العصر الجاهلي
إصلاح مرثد الخير بين سبيع بن الحارث، وبين ميثم بن مثوب
مدخل
...
الباب الأول: الخطب والوصايا في العصر الجاهلي.
الخطب: إصلاح مرثد الخير: بين سبيع بن الحارث، وبين ميثم بن مثوب.
كان مرثد الخير بن ينكف قيلًا، وكان حدبًا على عشيرته؛ محبًا لصلاحهم، وكان سبيع بن الحرث١. وميثم بن مثوب بن ذي رعين تنازعا الشرف، حتى تشاحنا، وخيف أن يقع بين حييهما شر، فيتفانى جذماهما٢؛ فبعث إليها مرثد؛ فأحضرهما ليصلح بينهما، فقال لهما:
١ أخو علس، وعلس هو ذو جدن.
٢ الجذم: الأصل وكذا الجذر.
1 / 9
١- مقال مرثد الخير:
إن التخبط١ وامتطاء الهجاج٢، واستحقاب٣ اللجاج، سيقفكما على شفا هوة، في توردها٤ بوار الأصيلة٥، وانقطاع الوسيلة؛ فتلافيا أمركما قبل انتكاث٦ العهد، وانحلال العقد، وتشتت الألفة، وتباين السهمة٧، وأنتما في فسحة رافهة٨، وقدم واطدة٩، والمودة مثرية١٠، والبقيا معرضة١١؛ فقد عرفتم أنباء من كان قبلكم من العرب: ممن عصى النصيح، وخالف الرشيد، وأصغى إلى التقاطع، ورأيتم ما آلت إليه عواقب سوء سعيهم، وكيف كان صيور١٢ أمورهم؛ فتلافوا القرحة١٣ قبل تفاقم الثاي١٤ واستفحال١٥ الداء، وإعواز الدواء؛ فإنه إذا سفكت الدماء، استحكمت الشحناء، وإذا استحكمت الشحناء، تقضبت١٦ عرى الإبقاء، وشمل١٧ البلاء.
١ التخبط: ركوب الرجل رأسه في الشر خاصة، أو السير على غير هدى.
٢ ركب فلان هجاج "غير مصروف"، ووهاج مبنيًّا على الكسر: أي ركب رأسه.
٣ الاستحقاق: استفعال من الحقيبة أو من الحقاب؛ فأما الحقيبة، فما يجعل الرجل فيه متاعه من خرج أو غيره، والحقاب: بريم تشد به المرأة وسطها "والبريم خيط فيه لونان"، وهذا مثل: إما أن يكون أراد أنه احتزم باللجاج أو جعله في وعائه.
٤ التود: الإشراف على الماء وغيره، دخله أو لم يدخل.
٥ الأصل.
٦ انتقاض: "والأنكاث جمع نكث، وهو ما نقض من الحبال ليعاد ثانية".
٧ القرابة.
٨ ناعمة من الرفاهية.
٩ ثابتة.
١٠ متصلة.
١١ ممكنة أمكنت من عرضها، أي من جنبها وناحيتها، يقال قد أعرض لك الظى فارمه، أي أمكنك من عرضه.
١٢ عاقبة.
١٣ الجرح.
١٤ السعي والمثاى: الإفساد والجراح والقتل ونحوه.
١٥ اشتداده، وهو أن يصير مثل الفحل.
١٦ تقطعت.
١٧ من بابي فرح ونصر.
1 / 10
مقال سبيع بن الحارث
...
١- مقال سبيع بن الحرث.
فقال سبيع:
أيها الملك! إن عداوة بني العلات١ لا تبريها الأساة٢، ولا تشفيها الرقاة، ولا تستقل٣ بها الكفاء، والحسد الكامن، هو الداء الباطن، وقد علم بنو أبينا هؤلاء، أنا لهم ردء٤ إذا رهبوا، وغيث إذا أجدبوا، وعضد إذا حاربوا، ومفزع إذا نكبوا، وأنا وإياهم كما قال الأول:
إذا ما علوا قالوا أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أم ولا أب
١ العلة: الضرة، وبنو العلات بنو أمهات شتى من رجل واحد، "والأخياف: من أمهم واحدة والآباء شتى".
٢ جمع آس، وهو الطبيب.
٣ تنهض بها وتحملها.
٤ عون.
٣- مقال ميثم بن مثوب:
فقال ميثم:
أيها الملك! إن من نفس على ابن أبيه الزعامة، وجد به١ في المقامة٢، واستكثر له قليل الكرامة، كان قرفًا٣ بالملامة، ومؤنبًا على ترك الاستقامة، وإنا والله نعتد لهم بيدٍ إلا وقد نالهم منا كفاؤها، ولا نذكر لهم حسنة إلا وقد تطلع منا إليهم جزاؤها، ولا يتفيأ لهم علينا ظل نعمةٍ؛ إلا وقد قوبلوا بشرواها٤، ونحن بنو فحلٍ مقرم٥، لم يقعد بنا الأمهات ولا بهم، ولم تنزعنا أعراق السوء ولا إياهم؛ فعلام مط٦ الخدود، وخزر العيون٧
١ عابه.
٢ المجلس.
٣ خليقًا.
٤ مثلها.
٥ القرم: السيد، وأقرمه: جعله قرمًا.
٦ مد.
٧ الخزر أن ينظر الرجل إلى أحد عرضيه. يقال إنه ليتخازرلي: إذا نظر إليه بمؤخر عينه ولم يستقبله بنظرة.
1 / 11
والجخيف١ والتصعر، والبأو والتكبر؟ ألكثرة عدد، أم لفضل جلدٍ، أم لطول معتقد٢؟ وإنا وإيهاهم لكما قال الأول:
لاه ابن عمك، لا أفضلت في حسب ... عني، ولا أنت دياني فتخزوني٣
ومقاطع الأمور ثلاثة: حرب مبيرة٤، أو سلم قريرة، أو مداجاة وغفيرة٥".
١ التكبر، وكذا البأو.
٢ اعتقد ضيعة ومالًا: اقتناهما.
٣ لاه: أراد لله؛ فخذف اللام الخافضة اكتفاء بالتي تليها، والديان القائم بالأمر، وتخزوني: تسوسني.
٤ مهلكة.
٥ مساترة وغفران.
٤- مقال مرثد الخير:
فقال الملك:
لا تنشطوا١ عقل الشوارد، ولا تلقحوا العون القواعد٢، ولا تؤرثوا٣ نيران الأحقاد؛ ففيها المتلفة المستأصلة، والجائحة٤ والأليلة٥، وعفوا بالحلم، أبلاد٦ الكم، وأنيبوا إلى السبيل الأرشد، والمنهج الأقصد؛ فإن الحرب تقبل بزبرج٧ الغرور، وتدبر بالويل والثبور، ثم قال الملك:
ألا هل أتى الأقوام بذلي نصيحة ... حبوت بها منى سبيعًا وميثمًا
وقلت اعلما أن التدابير غادرت ... عواقبه للذل والقل جرهما
فلا تقدحا زند العقوق وأبقيا ... على العزة القعساء٨ أن تتهدما
ولا تجنيا حربًا تجر عليكما ... عواقبها يومًا من الشر أشأما
١ نشط العقد: عقدها، وأنشطها حلها، والعقل ككتب جمع عقال وهو الحبل.
٢ هو مثل، وأصله في الإبل، يقال: لقحت الناقة إذا حملت، وألقحها الفحل، ثم ضرب ذلك مثلًا للحرب إذا ابتدأت، والعون جمع عوان، وهي الثيب. يقال للحرب عوان إذا كان قد قوتل فيها مرة بعد مرة
٣ تذكوا.
٤ الاستئصال.
٥ الثكل.
٦ الأبلاد: الآثار، جمع بلد "كالندوب جمع ندب".
٧ السحاب الذي تشفره الريح والزينة.
٨ الثابتة.
1 / 12