بالضرورة، فاحتاج الناظرُ فيه إلى أن يكون من أهل الاجتهاد.
فإن قلت: إن دلالتَها على التقليد جليةٌ لا تحتاج إلى اجتهاد.
قلتُ: ليس كذلك، فإن في معناها غموضًا واختلافًا. والذي يدلُّ على ذلك: أنَّ السؤال من الأفعال التي تتعدَّى إلى مفعولين، تارةً بواسطة حرف جر مثل: سألت العالم عن الدَّليل، وتارة بغير واسطة مثل: سألت الأمير مالًا، وسألت العالمَ دليلًا. إذا عرفت هذا، فاعلم أنه لا بُدَّ من مسؤول ومسؤول عنه، فالمسؤول في الآية مذكورٌ وهم أهلُ الذكر، والمسؤول عنه محذوف، فالقولُ بأن المسؤولَ عنه هو أقوالُ المجتهدين مِن هذه الأمة دعوى مجردة عن الأدلة مما لا يدل عليه دليل. وهذا المحذوف يحتمل أن يكون هو الأدلة، ويحتمل أن يكونَ هو المذاهبَ من غير أدلة. وقد قال بعضُ العلماءِ وهو السُّؤال عمَّا أنزل الله لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] فلما أُمرنا بسُؤالِ أهلِ الذِّكر، وكان الظاهرُ أنه أُمرنا بسؤالهم عما أُمرنا باتباعه مما أنزله علينا من الشرائع، وهذه الأقوال كُلُّها ضعيفة فيما يَظْهَرُ على اعتبارِ قواعد العربية، والمختار: أن المرادَ السؤالُ عن الرُّسُلِ: هل كانوا بشرًا أم لا؟ لأن ذلك هو المذكورُ في أوَّل الآية، والعرفُ العربي يقضي بأنَّ ذلك هو المرادُ، والقرائن تسُوقُ الفهم إليه.
فإنه تعالى لما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي (١) إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْر﴾ [النحل: ٤٣] كان السابقَ إلى الأفهام: فاسألوهم عن كوننا ما أرسلنا إلا رجالًا، كما لو قال القائل: واجهتُ اليومَ الخليفةَ
(١) هي قراءة حفص بالنون وكسر الحاء، وقرأ الباقون: (يُوحى) بضم الياء على ما لم يسم فاعله. انظر " حجة القراءات " ص ٣٩٠.