572

وجاء في بعض الآثار في قبول الفتيا وقيام الحجة بها ما نصه: إنا ندعو إلى الله وإلى كتابه، وإلى سنة رسوله، ونجيب من دعا إلى ذلك ونقبل الحق ممن جاء به ونكون معه عليه، ونرد الباطل على من جاء به، ونكون عليه، ونأمركم بتقوى الله، والعمل بطاعته، وابتغاء الوسيلة إليه بلزوم أسباب الهدى، واستدلوا على رضا ربكم بخلاف الهوى، وأشعروا قلوبكم وعيد الله وخوفه، ووطنوا أنفسكم على استحقاق وعده، واتبعوا كتاب الله واسلكوا سبيله وقدموه، واجعلوه إمامكم وقائدكم، وأطيعوا من دعاكم إليه، وخالفوا من خالفكم، فإن تمام الهدى ولزوم التقوى من كان القرآن إمامه، والضال الباغي الظالم من كان غير القرآن إمامه، وكان القرآن يوم القيامة خصما، فإن المسلمين إنما نجوا عند تفرق هذه الأمة بالاعتصام بالقرآن الذي تفرقت السبل عنه، ولا تقلدوا الكبراء والسادات دينكم، فيما لا تعرفون عدله، وإنما تلزمكم الحجة أن تعرفوا الحق وتقبلوه ممن أمركم إذا عرفتموه، وتردوا الباطل على من أمركم به إذا عرفتموه، فإذا اشتبه عليكم أمركم لا تعرفون حكمه، فعليكم أن تقفوا عنده وتسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، فتبينوا وتعلموا وتفهموا وتفقهوا في الحلال والحرام، وأبصروا ما تصيبون به الأمور بعضها ببعض، ثم حينئذ يسع العالم أن يفتي، وعلى الذي يفتي أن يجتهد رأيه فيما يسع.

فإذا ورد عليه شيء وثبت له عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي له أن يفتي بغيره ولا يسعه ذلك، ومن ورد عليه شيء قد اختلفت فيه الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى ذلك الثقات من المسلمين، فينبغي له أن يجتهد رأيه فيما روي وينظر أشبه ذلك بالحق وأحسنه، فيفتي به، وإن ورد عليه شيء لم يبلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء، وجاء فيه عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء وأجمع عليه الثقات من بعدهم فينبغي له أن يفتي به.

وإن ورد عليه شيء لم يبلغه فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد اختلف فيه، فينبغي له أن يجتهد رأيه، فينظر أي أقاويلهم أشبه عنده بالحق الواضح فيفتي به، وإن ورد عليه شيء لم يبلغه فيه حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الثقات من أصحابه، وقد أجمع عليه التابعون، فبلغه ذلك عن ثقاتهم فليسلم لهم بما قالوا، ويفتي بقولهم، ولا ينبغي له أن يفتي بغيره.

ومن طلب الفقه والعلم وعمل به وصحت فيه نيته كان أفضل من العبادة وأفضل من جميع أعمال البر، وينبغي للذي يبتلى في أمر دينه في حلال أو حرام أن يسأل أفقه من يقدر عليه من أهل المصر الذين هو فيه، فإن أفتاه بقول -والذي يستفتي جاهل بالعلم- أخذ بقوله.

وإن كان في المصر فقيهان كلاهما يؤخذ عنه، فاستفتاهما فيما ابتلي به فاتفقا أخذ، وإن اختلفا نظر أيهما يقع قوله في قلبه أنه أصوبهما، وسعه أن يأخذ به.

مخ ۸۰