562

ولو كان العالم لا يكون عالما حتى يحيط بالعلم كله ويحيط بجميع فنون العلم لكان محالا -والمحال ضلال- ألا يكون عالما وقد ثبت حكم العلماء، أو أن يكون يثبت أن أحدا يحيط بالعلم، وهذا كله لا يجوز، والثابت الجائز أن يكون من علم شيئا عالما به، وجائزا له ما يجوز للعالم به من حفظ أو قياس أو رأي، كما أنه لو علم فنونا كثيرة وأشياء كثيرة من العلم، حفظا ودراسة إلا شيئا لم يعلمه وعلمه غيره حفظا ودراسة، من المعنيات ما جاز أن يقال إن ذلك العالم عالم بهذا الذي لم يعلم، وما جاز أن يقال أن ذلك العالم غير عالم به، وهذا من المحال، ومن تنافي المعاني، ولا يجوز نفي الصحيح ولا إثبات المعدوم.

ولو جاز هذا لجاز ألا يسمى صانعا لشيء من الصنائع حتى يحيط بجميع تلك الصنعة خبرا، وإذ ذاك يجوز أن يسمى صانعا من جميع الصنائع مثل: الحداد والصائغ والنساج والحجام والطبيب، وقد ثبت لهؤلاء كلهم باسم الصنعة بمعرفة شيء منها، ولو لم يحيطوا بجميع الصنائع، وذلك مثل التجار يلحقه اسم تاجر إذا تجر ولو في شيء واحد، ولو لم يجمع فنون التجارة، ولا نعلم في هذا اختلافا.

كذلك العالم بالشيء من الأشياء ويلحقه اسم العلم به، فإن خص بالتسمية جاز، وإن أطلق عليه اسم العلم في معنى ما أريد به من العلم فيه، وبه جاز ذلك لمعنى ما ذكرنا من عدم الإحاطة بجميع العلم، ومن ثبوت اسم العلم على غير الإحاطة، والقول في هذا يتسع وفي هذا كفاية إن شاء الله.

مخ ۷۰