416

بحر مديد په تفسير قرآن مجيد کې

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ایډیټر

أحمد عبد الله القرشي رسلان

خپرندوی

الدكتور حسن عباس زكي

شمېره چاپونه

١٤١٩ هـ

د خپرونکي ځای

القاهرة

ثم بيّن وقت الذلة التي افتقرت إلى العفو، فقال:
[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٣]
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣)
قلت: (إذْ): ظرف لعفا، أو اذكر. وأصعد: أبعد في الأرض، وصعد: في الجبل، فالإصعاد: الذهاب في الأرض المستوية، والصعود: الارتقاء في العلو. وقرئ بهما معًا لأنهما وقعا معًا، فمنهم من فرّ ذاهبًا في الأرض، ومنهم من صعد إلى الجبل. و(لكيلا): متعلق بأثابكم.
يقول الحق ﷻ: ولقد عفا عنكم حين كنتم تُصْعِدُونَ عن نبيه- ﵊، منهزمين عنه، تبعدون عنه، وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ أي: لا يلتفت بعضكم إلى بعض، ولا ينتظر بعضكم بعضًا، وَالرَّسُولُ محمد ﷺ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أي: في ساقتكم، يقول: «إليَّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكرُّ فله الجنة»، وفيه مدح للرسول ﷺ بالشجاعة والثبات، حيث وقف في آخر المنهزمين، فإن الآخر هو موقف الأبطال، والفرار فى حقه ﷺ محال.
فَأَثابَكُمْ أي: فجازاكم على ذلك الفرار، غَمًّا وهو ظهور المشركين عليكم وقتل إخوانكم، بسبب غم أوصلتموه للنبى ﷺ بعصيانه والفرار عنه، وقدَّر ذلك لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ من الغنيمة، وَلا على ما أَصابَكُمْ من الجرح والهزيمة، لأن من استحق العقوبة والأدب لا يحزن على ما فاته ولا على ما أصابه إذ جريمته تستحق أكثر من ذلك، يرى ما نزل به بعض ما يستحقه، فيهون عليه أمر ما نزل به أو ما فاته من الخير.
أو يقول: فَأَثابَكُمْ غَمًّا متصلًا بِغَمٍّ فالغم الأول: ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والثاني: ما نالهم من القتل والهزيمة، أو الأول: ما أصابهم من القتل والجراح، والثاني: ما سمعوا من الإرجاف بقتل النبي ﷺ، وذلك ليتمرنوا على المحن والشدائد حتى لا يجزعوا من شيء. وبذلك وصفهم كعب بن زهير في لاميته، حيث قال:
لاَ يَفْرَحُونَ إِذا نَالَتْ رِماحُهُمْ ... وَلَيْسُوا مجازيعًا إذا نِيلُوا
فإن المتمرّن على المصائب المتعود عليها يهون عليه أمرها، فلا يحزن على ما أصابه ولا ما فاته، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ وبما قصدتم، فيجازيكم على ذلك.

1 / 421