بدر منیر
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
في البعث وحقيقة إخراج الموتى من القبور وغيرها من أي موضع أحياء بعد فناء جميع الأشياء إلا الله تعالى والفناء على ما قدمنا من الأقسام الأربعة وبعد تبديل الأرض غير الأرض والسماوات تبديل صفتهما لا ذاتهما، وهذا البعث مقطوع به عقلا وسمعا، من أنكره كفر إجماعا، ودليله في الوقوع، وأنه لا بد منه قطعا في الحكمة العقلية من العقل أن إيلام أهل الأرواح بالموت وتخلية الظالم من المظلوم بالقتل والضرب وأخذ المال ونحوه من الحبس والإهانة وترك أهل المعاصي المتمردين والمستحلين من غير أن يعاقبوا على كلها في الدنيا يكون ذلك قبيحا إذا لم يكن هنالك بعث لهم بعد ذلك للتعويض لمن لا يستحق الإيلام ولا يحسن في حقه ولا يخرج عن القبيح عقلا من الأطفال والمؤمنين وسائر أهل الأرواح العاقلة وغير العاقلة إلا بالعوض الذي لا يعقبه إيلام وهو الجنة، وكذلك التخلية بين المحسن والمسيء والظالم والمظلوم [183ب] ولم يمنع تعالى أحدهما وهو المسيء بالقهر على جهة التفصيل أو بسلب القدرة من الظالم وانقضت على جهة التفصيل الدنيا ولم يحصل من الله تعالى الانتصاف مخبرا تعالى للمظلوم أن تلك العقوبة للظالم انتصافا له لو لم يبعث الله تعالى الخلق بعد الدنيا لينتصف للمظلوم ويخبره تعالى أن تلك العقوبة للمسيء أو الزيادة للمظلوم بقدر ما جنى عليه الظالم إن تاب الظالم شيئا في الجنة يخبر تعالى بذلك بأن تلك عوض عن مظلمته أو إن كانا جميعا من أهل النار جعل تعالى للظالم شيئا من العذاب، ويخبر تعالى المظلوم من أهل النار بأن ذلك الشيء من العذاب انتصاف للمظلوم، ومعلوم أن ذلك لم يحصل التناصف والإخبار على جهة التفصيل بأن ذلك العقوبة انتصاف له للمظلوم من الظالم لم يحصل شيء من ذلك في دار الدنيا، وأن أهل المعاصي كذلك لم يحصل كلما يستحقون من الهوان الذي يقابل معاصيهم لله تعالى الواحد القهار، بل قد لا يحصل مع أحد منهم إلا الموت وإن حصل شيء ولم يتذكروا فهو مما يستحقون تعجيل شيء منه هو بعضه لقوله تعالى: {فصب عليهم ربك سوط عذاب}(1) فإذا كان الأمر كذلك وجب عقلا القطع بالبعث من الله تعالى الذي هو إحياء جميع أهل الأرواح للتعويض بالعوض الذي لا ألم بعده والانتصاف مع إخبار المنصف له بخبر منه تعالى أن ذلك الانتصاف عن مظلمته لأجل تخليته تعالى بينه وبين الظالم في الدنيا وإلا كانت التخلية قبيحة إذا لم يكن انتصاف منه تعالى ولأجل عقاب العاصين الذين كابروا عقولهم بترك ما قضت عليهم بوجوبه من شكر خالقهم وطاعته تعالى فيما فرض ولما علم قطعا أن المطيعين لم يحصل ثوابهم الذي لم يتعقبه ألم على طاعاتهم إلا في الآخرة، فوجب بعثهم لذلك أحياء؛ لأن الإخلال به قبيح عقلا والله غني عن القبيح.
مخ ۲۱۵