بدر منیر
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
والمعلوم من فروع الجميع بدليل قاطع والظني إذا أجمعوا عليه نقلا أو قال به بعضهم وهو معصوم لما ذكرنا من الأدلة على نجاتهم وأن الحق معهم ونجاة متبعهم إلى يوم القيامة من آية التطهير وغيرها من الآيات، وحديث السفينة وغيره، كحديث: إني تارك فيكم مع ما نقل عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة فهي ناجية))(1) ودلت هذه الأدلة على أن الفرقة الناجية هم أهل بيت رسول الله محمد وعترته وذريته سلفا بعد خلف منهم إلى يوم القيامة صلى الله عليه وآله وسلم لأنا تصفحنا الحديث حديث: ((وستفترق)) وإذا سبب الهلاك الافتراق والاختلاف في أصول الدين والمعلوم من فروعه وهو صلى الله عليه وآله وسلم لا يكذب، [176أ] ووجدنا الأمة اختلفت في الدين أصوله وفروعه غاية الاختلاف من بعد أن قبض الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى سفك بعضهم دم بعض لأجل ذلك، وتصفحنا الآيات والأحاديث فوجدناها شاهدة بعصمة رسول الله محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وعصمة عترته وذريته وأهل بيته سلفا بعد خلف منهم إلى يوم القيامة صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم لا يختلفون في أصول الدين ولا أصول الشرائع ولا فيما عليه دليل قطعي في الفروع ولا في ظني، بل أجمع سلفهم فيه على معنى من معانيه أو أقروها كلها حيث لا تنافي بينها ولا دليل يخص بعضها مع أنها نقل آحاد من حديث الآحاد وإلا فهي قطعية إذا كانت مستوية المعاني غير متنافية، ولا يختلفون في شيء قد رواه أحد المعصومين الأربعة بعد صحته لهم وإنما يختلفون فيما لا تهلكة فيه عند الله تعالى وهو ما عدى هذا المذكور من اختلاف اجتهاد في دليل لم يجمع سلفهم على خلاف ذلك الاجتهاد ولم يصح لهم فيه اجتهاد معصوم في فروع الدين، وليس في هذا حرج من الله تعالى أبدا، ولا يعد صاحبه في الفرق الهالكة إجماعا، وهذا التأويل في اختلافهم وإجماعهم على جوازه، وتأويلهم كذلك اختلافهم سلفا بعد خلف منهمإلى يوم القيامة، ولا حرج فيه إجماعا، فيجب الاجتماع على اتباع عترته صلى الله عليه وآله وسلم وذريته وأهل بيته سلفا بعد خلف منهم إلى يوم القيامة صلى الله عليه وآله وسلم على هذا التنزيل في أصول الدين وفروعه، ولا يخالفوا في ذلك كذلك أبدا، وقد أوجب الله تعالى اتباعهم والكون معهم بما قدمنا من الأدلة، ونزههم تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بما قدمنا من الأدلة، وهو تعالى عدل حكيم لا يكذب ولا يحل تكذيبه ومن كذبه تعالى كفر إجماعا، وجعل تعالى اتباعهم على ما هم عليه والأخذ بما هم عليه على مثل ما قدمنا أصول دينه تعالى وفروعه وأنه الدين المجتمع غير المفترق، وشيده تعالى ومدحه ولم يخرج به أهله بشيء من الاختلاف على التنزيل المتقدم إلى الباطل أبدا، وذم تعالى الاختلاف في الدين على غير النحو المتقدم كالاختلاف في الأصول وما عليه دليل قاطع قطعي من الفروع أو أجمعت العترة على ظني من الفروع أو الأمة داخلة فيهم العترة، فذم تعالى المختلفين فيه؛ لأنه لا برهان قاطع ولا ظني معمول به في تصويبهم، وقد خالفوا من عنده الدليل القاطع القطعي أو الظني الصحيح ممن أمرهم الله تعالى أن يكونوا على وفقه من أهل بيت نبيهم وعترته سلفا بعد خلف منهم إلى يوم القيامة صلى الله عليه وآله وسلم ففي ذم اختلافهم في ذلك كذلك مخالفين للعترة المعصومين، وكذلك سائر فرق الأمم المخالفين لدين أنبيائهم الآخذين بعضه والتاركين لبعض، كاليهود والنصارى وغيرهم، يقول الله تعالى مخبرا بهلاكهم وأن رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس منهم في شيء، وأن حسابهم إليه تعالى بما اجترحوا من مخالفته تعالى بترك اتباع من أمرهم تعالى أن يحذوا حذوه من الرسل والأنبياء قبل وجوده صلى الله عليه وآله وسلم والتزام الاتباع لمحمد [176ب] صلى الله عليه وآله وسلم والتصديق به وبعترته وذريته سلفا بعد خلف منهم إلى يوم القيامة قبل وجوده صلى الله عليه وآله وسلم وفيمن لحق وجوده صلى الله عليه وآله وسلم، -أعني رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بترك اتباعه على كل حال علم عنه صلى الله عليه وآله وسلم والحذو حذوه وترك اتباع عترته وذريته صلى الله عليه وآله وسلم والحذو حذوهم بعده، فهم باب رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي يؤتى منه صلى الله عليه وآله وسلم ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم باب الله تعالى الذي يؤتى دينه تعالى منه وفي التاركين ذلك كذلك ومن أمروا بالاتباع له والحذو حذوه من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وعترته وذريته وأهل بيته سلفا بعد خلف منهم إلى يوم القيامة صلى الله عليه وآله وسلم يقول الله تعالى في ذلك كله مخبرا بهلاك المختلفين المخالفين كذلك: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون}(1) أي: من المعاندة لست منهم في شيء من أمر دينهم، ولا دينهم دينك الذي هو من الله تعالى وهم، وهم الذين قالوا: نتبع بعض من أمرنا باتباعه ونترك بعضا، ونتبع من الحق بعضا ونترك بعضا، فهؤلاء فرقوا دينهم بالتزام بعض وترك بعض، فإن كان استحلالا أو يكفي الاعتقاد فذلك كفر إجماعا ولهذه الآية، ويقول تعالى في وجوب الاجتماع في الدين على النحو المتقدم: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه}(2) ثم قال تعالى: {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه}(3) أي: من الدين واجتماعه، ثم قال تعالى: {يجتبي إليه من يشاء}(4) يعني تعالى {يجتبي إليه من يشاء} يختار إليه إلى دينه تعالى المجتمع من يشاء تعالى من يختار تعالى أن يصطفيه تعالى لدينه المجتمع غير المفترق بشرط أن يختار ذلك الاختيار المكلف {ويهدي إليه من ينيب} أي: يرجع إلى الدين المجتمع باختياره أي: المكلف {أن أقيموا الدين} أي: أقيموا الدين عظموه حق تعظيمه وكونوا من أهله {ولا تتفرقوا فيه} أي: فيما علمتم من أصوله وفروعه واجتمعوا عليه واجتهدوا فيها على مطابقة ما أمركم الله به ولا تتبعوا أهواءكم في لذة مخالفة الله تعالى ومخالفة من جعله الله تعالى عليكم حجة من رسله عليهم السلام وخاتم رسله رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم خذوا عنه دينكم فإن دينه هو الذي شرعه الله لكم وهو الدين الإسلامي المجتمع غير المفترق في أصوله وفروعه ما علم منه بدليل معلوم هو الذي شرعه الله لكم على لسان رسوله محمد [صلى الله عليه وآله وسلم] وشرعه تعالى مجتمعا إسلاميا غير مفترق في أصل ولا فرع للأنبياء عليهم السلام كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام وذكر تعالى هؤلاء وغيرهم من الأنبياء كذلك دينه ذكر البعض يدل على الكل، وهؤلاء أعني نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام أكثر من خولف وأوذي، وهم من المشاهير الكبار، فذكرهم تعالى عليهم السلام وقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة [177أ] فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}(1) فأخبر تعالى أن الاختلاف بغيا وأن هناك منهم فرقة هداهم تعالى للحق المختلف فيه لما لم يعاندوا ونظروا في أحسن القول فاتبعوه ولم يخالفوا إلى الباطل بالأخذ بالشبهات والمعاذير الكاذبة، فقال تعالى فيهم: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه}(1) أي: بتيسيره ولطفه حين التطفوا لإصابة الحق المختلف في إصابته بالنظر السديد بما ركب تعالى فيهم من العقول وبين لهم على ألسنة الرسل والأنبياء عليهم السلام وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((افترقت أمة أخي موسى عليه السلام على إحدى وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة فإنها الناجية)) وقال تعالى في الفرقة الواحدة الناجية في قوم موسى -عليه السلام: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}(2) وهم الذين أسلموا، الذين صدقوا برسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعيسى وجميع الرسل، والتزموا اتباعهما على حد ما أمرهم به الله تعالى على لسان رسوله موسى عليه السلام في التوراة سواء لحقوا زمانه [صلى الله عليه وآله وسلم] كعبد الله بن سلام أو لم يلحقوا، فهؤلاء الناجية من قوم موسى عليه السلام وافترقت أمة أخي عيسى عليه السلام على اثنتين وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة فإنها ناجية، وقال تعالى في النصارى: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون}(3) يعني تعالى لا يستكبرون عن الدخول في الإسلام واتباع رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإيمان به صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال تعالى مخبرا بدخولهم في الإسلام وأحكامه: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين}(1) والشاهدون هم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والشاهدون بعده على أمته صلى الله عليه وآله وسلم فهم عترته وذريته وأهل بيته صلى الله عليه وآله لآية التطهير وحديث السفينة وإني تارك فيكم وغير ذلك، وهذه الفرقة من النصارى التي أسلمت هي الناجية، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة فإنها هي الناجية -وفي رواية: فرقة في الجنة وسائرها في النار)) وقال تعالى في الناجية من أمة رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}(2) ودلت آية التطهير وآية المودة وآية الاصطفاء والوراثة وآية الرد وآية وأولي الأمر منكم وآية واسألوا أهل الذكر وآية المودة وحديث السفينة وإني تارك فيكم وغير ذلك من الآيات والأحاديث والإجماع.
مخ ۱۸۷