393

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُوْلَنَّ هَذَا لِي﴾ (فُصِّلت:٥٠).
قَالَ مُجَاهِدٌ: (هَذَا بِعَمَلِي وَأَنَا مَحْقُوْقٌ بِهِ). (١)
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (يُرِيْدُ: مِنْ عِنْدِي). (٢)
وَقَوْلِهِ ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيْتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (القَصَص:٧٨)، قَالَ قَتَادَةُ: (عَلَى عِلْمٍ مِنِّي بِوُجُوْهِ المَكَاسِبِ). (٣)
وَقَالَ آخَرُوْنَ: (عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللهِ أَنِّي لَهُ أَهْلٌ)، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ (أُوْتِيْتُهُ عَلَى شَرَفٍ). (٤)
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: (إِنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللهُ أَنَّ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الأَبْرَصَ؛ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ؛ وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِيْ قَدْ قَذَرَنِي النَّاسُ بِهِ. قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ أَوِ البَقَرُ - شَكَّ إِسْحَاقُ - (٥) فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، وَقَالَ: بَارِكَ اللهُ لَكَ فِيْهَا.
قَالَ: فَأَتَى الأَقْرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِيْ قَدْ قَذَرَنِي النَّاسُ بِهِ فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعْرًا حَسَنًا، فَقَالَ: أَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: البَقَرُ أَوِ الإِبِلُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: بَارِكَ اللهُ لَكَ فِيْهَا.
فَأَتَى الأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي؛ فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ، فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا. فَأُنْتَجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ البَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الغَنَمِ.
قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُوْرَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِيْنٌ وَابْنُ سَبِيْلٍ؛ قَدْ انْقَطَعَتْ بِيَ الحِبَالُ (٦) فِي سَفَرِي; فَلَا بَلَاغِ لِيَ اليَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِيْ أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الحَسَنَ وَالجَلْدَ الحَسَنَ وَالمَالَ; بَعِيْرًا أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الحُقُوْقُ كَثِيْرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ! أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟ فَقِيْرًا؛ فَأَعْطَاكَ اللهُ ﷿ المَالَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا المَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ.
قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَقْرَعَ فِي صُوْرَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا; فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ.
قَالَ: وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُوْرَتِهِ؛ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِيْنٌ وَابْنُ سَبِيْلٍ، قَدْ انْقَطَعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي; فَلَا بَلَاغَ لِيَ اليَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بالَّذِيْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؛ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى؛ فَرَدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ اليَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ; فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ; فَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ). أَخْرِجَاهُ. (٧)
فِيْهِ مَسَائِلُ:
الأُوْلَى: تَفْسِيْرُ الآيَةِ.
الثَّانِيَةُ: مَا مَعْنَى ﴿لَيَقُوْلَنَّ هَذَا لِي﴾؟
الثَّالِثَةُ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿أُوْتِيْتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾؟
الرَّابِعَةُ: مَا فِي هَذِهِ القِصَّةِ العَجِيْبَةِ مِنَ العِبَرِ العَظِيْمَةِ.

(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٢٧/ ٦) تَعْلِيْقًا، وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٥٦٠/ ٨): (وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ أَبِي نَجِيْحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ).
(٢) تَفْسِيْرُ القُرطُبيِّ (٣٧٣/ ١٥).
(٣) تَفْسِيْرُ القُرطُبيِّ (٢٦٦/ ١٥).
(٤) الدُّرُّ المَنْثُورُ (٢٣٤/ ٧) لِلسُّيُوْطِيِّ ﵀.
(٥) هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ؛ تَابِعِيٌّ مِنَ الوُسْطَى؛ ثِقَةٌ حُجَّةٌ (ت ١٣٢ هـ).
(٦) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٥٠٢/ ٦): (وَلِبَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ: الحِيَالُ بِالمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ، جَمْعُ حِيْلَةٍ: أَيْ: لَمْ يَبْقَ لِي حِيْلَةٌ).
(٧) البُخَارِيُّ (٣٤٦٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٩٦٤).

1 / 393