المسألة الثانية: ما حكم ما يُعطاه الراقي، أجرةً على الرقية المشروعة؟
الجواب: لقد أقر رسولُ الله ﷺ أخذَ بعضٍ من صحابته - عليهم رضوان الله - أجرةً على رقية رقى بها أحدهم (١) سيدَ قومٍ في حيٍّ من أحياء العرب بفاتحة الكتاب، كانوا قد نزلوا عند واحة ماءٍ، وقد صالحهم الصحابة على قطيعٍ (٢)، فقال ﵊: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ قَدْ أَصَبْتُمُ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ» (٣) . [وهذا تصريح منه ﷺ بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذِّكر، وأنها حلال لا كراهة فيها، وقوله ﷺ: «وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ» إنما قاله ﷺ تطييبًا لقلوبهم، ومبالغةً في تعريفهم أنه حلال لا شبهة فيه] (٤) . وعليه، فقد اتفق الفقهاء على جواز أخذ الراقي الأجرة على الرقية وتمام تملّكه لهذه الأجرة، لكنِ الأَوْلى عندهم ترك طلبها، بل وتركها بالكلِّية احتسابًا للأجر عند الله،
(١) قال الإمام النووي ﵀ في شرحه لصحيح مسلم (١٤/٤٠٨): (هذا الراقي هو أبو سعيد الخُدْرِي الراوي ﵁. كذا جاء مبينًا في رواية أخرى في غير مسلم) . اهـ. فانظر رحمك الله إلى مزيد فضل أبي سعيد ﵁ وجمّ أدبه، حيث [صرّح عن نفسه تارة وكنّى أخرى]، كما أفاده الإمام ابن حجر ﵀ في الفتح (٤/٥٣٣) . هذا، والتصريح هو عند أبي داود؛ كتاب الطب، باب: في الرقى، برقم (٣٩٠٠)، والترمذي، في الطب، باب: ما جاء في أخذ الأجرة على التعويذ، برقم (٢٠٦٣)، وابن ماجَهْ؛ كتاب: التجارات، باب: أجر الراقي، برقم (٢١٥٦) . وهو عند أحمد أيضًا، في مسند المكثرين من حديث أبي سعيد ﵁، برقم (١١٠٨٦) .
(٢) قال النووي ﵀: والمراد بالقطيع المذكور في هذا الحديث ثلاثون شاة. كذا جاء مبينًا - أي: في غير مسلم -. اهـ. انظر: مسلم بشرح النووي (١٤/٤٠٩) .
(٣) متفق عليه، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ أخرجه البخاري؛ كتاب: الإجارة، باب: ما يعطَى على الرقية ...، برقم (٢٢٧٦)، ومسلم؛ كتاب: السلام، باب: جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار، برقم (٢٢٠١) .
(٤) انظر: مسلم بشرح النووي (١٤/٤١٠) .
1 / 287