السيرة النبوية
السيرة النبوية
•
سیمې
مصر
تكسير الأصنام
أول ما دخل ﷺ الكعبة المكرمة أمر بتكسير الأصنام التي حولها داخلها، فقد كان حول الكعبة (٣٦٠) صنمًا غير هبل أعظم آلهتهم، فالرسول ﵊ أمر الصحابة ﵃ وأرضاهم أجمعين بتكسير كل هذه الأصنام وشاركهم في ذلك.
وهذا الأمر كان بعد صبر دام (٢١) سنة كاملة، فقد كان الرسول ﷺ يطوف بالكعبة مدة (١٣) سنة متتالية.
أي: الفترة المكية، ولم يفكر مرة واحدة في كسر صنم واحد، وطاف في عمرة القضاء قبل الفتح بعام واحد ولم يفكر لحظة واحدة في كسر صنم واحد من هذه الأصنام، وهذه المفارقة وهذه المقارنة بين الموقفين تحتاج منا إلى وقفة.
بعد صبر (٢١) سنة الآن لا يصبر ﵊ لحظة واحدة، فهو لم يقم الصلاة ولم يكلم الناس ولم يعمل أي شيء قبل أن يكسر الأصنام ويأمر بذلك.
عندما نأتي لندرس سيرة الرسول ﵊ لابد أن نأخذ اهتمامًا خاصًا بالأعمال التي قام بها ﷺ، بمعنى أنه إذا بدأ بشيء ما فهذا الأمر مقصود، فكل خطوة من خطواته ﷺ متابعة بالوحي، وفيها رعاية كاملة من رب العالمين ﷾، وهي تشريع للمسلمين، فالرسول ﵊ يوم الفتح لا يصبر دقائق على وجود صنم يعبد من دون الله ﷿، هذا ما أسميه بـ: فقه الموازنات، وفقه الواقع، وفقه دفع أكبر الضررين، وجلب أكبر المنفعتين، لو كان الرسول ﵊ كسر هذه الأصنام في فترة مكة المكرمة لقامت الدنيا ولم تقعد، ولاستئصل المسلمون بكاملهم من مكة المكرمة.
أما الآن وبعد أن صار ﷺ حاكمًا لمكة المكرمة، بل ولأجزاء كبيرة جدًا من الجزيرة العربية، وصار في هذه القوة فإنه لا يصبر على وجود مثل هذا المنكر الشنيع من صنم يعبد من دون الله ﷿، فكسر كل الأصنام، وكسرها وهو يقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا).
بالإضافة إلى كونه لا يرضى عن وجود هذا المنكر، فتكسيره للأصنام كان خطوة سياسية في منتهى الروعة؛ لأن هذه الخطوة كسرت تمامًا كل معنويات أهل مكة، وهذه الأصنام ظلت تعبد من دون الله لا أقول عشرات السنين بل مئات السنين في داخل مكة المكرمة، أجيال وراءها أجيال تعبد هذه الأصنام، فهاهي الآن تكسر هذه الأصنام، وكل مشرك كان يعتقد في داخله أن هذه الأصنام ستصيبه ﷺ وأصحابه بضرر أو بسوء؛ لأنهم فعلوا معها ذلك، ومع ذلك لم يحدث له شيء، وكذلك الجيش الإسلامي بكامله لم يحدث له شيء، فظهرت الحقيقة واضحة أمام أعين المشركين من أنهم كانوا في ضلال مبين كل هذه السنوات السابقة.
إذًا: هذه خطوة رائعة وهامة جدًا لكسر معنويات كفار قريش، فبعد هذا التكسير لهذه الأصنام خارت قواهم تمامًا وفقدوا كل أمل في المقاومة، والرسول ﵊ لم يكتف بتكسير الأصنام في مكة المكرمة، بل حرص ﷺ على تكسير الأصنام في كل المناطق المحيطة بمكة المكرمة، فأرسل ﷺ سرية بقيادة خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه لكسر العزى، وهي من أكبر الآلهة التي كانت تعبد من دون الله ﷿، فذهب خالد بسرية وكسر هذا الصنم الضخم صنم العزى.
وأرسل سرية بقيادة سعيد بن زيد ﵁ وأرضاه لكسر صنم مناة وهو من أشهر أصنام العرب.
وأرسل سرية بقيادة عمرو بن العاص لهدم صنم سواع، وصنم سواع من الأصنام المشهورة عند العرب أيضًا.
إذًا: الرسول ﵊ بنفسه كسر هبل في صحن الكعبة، وأرسل خالد بن الوليد لكسر العزى، وسعيد بن زيد لكسر مناة، وعمرو بن العاص لكسر سواع، لكن بقي صنم مشهور جدًا من أصنام العرب وهو صنم اللات، وصنم اللات هذا كان موجودًا في مدينة الطائف عند قبيلة ثقيف، وهو من أعظم الأصنام عند العرب، ولم يكسر إلا بعد إسلام ثقيف في السنة التاسعة من الهجرة.
لقد كسر الرسول ﵊ كل الأصنام الكبرى التي استطاع أن يكسرها في ذلك الوقت، سواء في داخل مكة أو في المناطق التي حول مكة.
وبذلك كما ذكرنا سقطت كل معنويات قريش، وحطم تمامًا كل أمل عندهم للمقاومة.
إذًا: هذه كانت أول خطوة عملها الرسول ﷺ: تكسير الأصنام في الكعبة وما حولها.
39 / 3