السيرة النبوية
السيرة النبوية
•
سیمې
مصر
التقاء القبائل عام الفتح بالرسول ﷺ بمر الظهران وموقف زعماء مكة منها
وصل الرسول ﵊ إلى مر الظهران، ومر الظهران على بعد (٢٢) كيلو من مكة المكرمة، وهناك التقت الجنود من القبائل المختلفة من قبائل فزارة ومن قبائل بني سليم ومن غطفان ومزينة وجهينة ومن المدينة المنورة من كل مكان، عشرة آلاف جندي، هذه هي الطاقة الإسلامية، وهذا الوضع كنفس الوضع الذي كان في غزوة الأحزاب ولكن بصورة عكسية، ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] قبل الفتح بثلاث سنوات حوصرت المدينة بعشرة آلاف مشرك، والآن تحاصر مكة بعشرة آلاف مسلم، العدد هو العدد لكن شتان بين الفريقين.
أراد الرسول ﵊ لقريش هزيمة نفسية؛ لكي يدخل مكة بأقل الخسائر الممكنة، فأمر الصحابة ﵃ وأرضاهم في فكرة نبوية عبقرية رائعة أن يشعلوا النيران جميعًا، أي كل فرد منهم يشعل شعلة ويرفعها بيده، فأصبحت عشرة آلاف شعلة من النيران، فالنيران بحد ذاتها مرعبة، فإذا رآها الناس شعروا بالرهبة، وهذه الفكرة كانت مثيرة ومرعبة لأهل قريش، وشاهدوها جميعًا؛ لأن المسافة (٢٢) كيلو بين جيش المسلمين وبين مكة فهي مسافة قريبة يستطيع أهل قريش أن يروا فيه النيران، ومع هذا كان من قريش المراقبين والجواسيس على مقربة من مر الظهران، ورأوا هذه النيران عن قرب، ومن هؤلاء أبو سفيان شخصيًا، وتصور مدى الهلع والرعب عند سيد قريش وعند زعيم مكة الذي يدفعه أن يخرج بنفسه ليراقب أحوال المسلمين، وكان معه بديل بن ورقاء الخزاعي، وذكرنا قبل هذا أن بديل بن ورقاء كان صديقًا شخصيًا لـ أبي سفيان ومع أن بديلًا استغاث بالرسول ﵊ إلا أنه لم يكن يتوقع أبدًا أن يأتي الرسول ﵊ بجيش يفتح مكة المكرمة عقر دار قريش، كان كل أحلامه أن الرسول ﵊ سيطلب من قريش أن تدفع دية المقتولين من خزاعة، لكن الآن يشاهد جيشًا كبيرًا أتى إلى مكة المكرمة.
وهنا يأتي كلام العباس ﵁ وأرضاه عن هذا الموقف العجيب، وهذا في الطبراني بسند صحيح عن العباس ﵁، فـ العباس عندما رأى عشرة آلاف جندي على أبواب مكة المكرمة، ومع ذلك فـ العباس لا يزال حديث الهجرة، بل قد يكون حديث الإسلام، وقريش قبيلة قوية جدًا، وإسلامها لا شك أنه أفضل من قتلها، ثم هم الرحم والأهل والعشيرة، فأول ما رأى هذا العدد يقترب من مكة المكرمة قال: وا صباح قريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر.
فبدأ يبحث عمن يخبر قريشًا أن الرسول ﵊ قد جاء ليخرجوا ليستأمنوه، فهو الآن لا يدل على أسرار الجيش؛ لأن الجيش قد كشف أمره، فقد أشعل عشرة آلاف شعلة حول مكة المكرمة، فليس هناك أي نوع من التخفي، فالآن هو يريد لقريش أن تستأمن لنفسها، فركب بغلة الرسول ﵊ وبدأ يبحث عن أي إنسان يصل بخبر إلى مكة المكرمة، فسمع همسات من رجلين يتحدثان فأحدهما كان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيرانًا ولا عسكرًا، فرد عليه صوت آخر وقال: هذه والله نيران خزاعة حمشتها الحرب.
أي: أن خزاعة جاءت لتنتقم لنفسها من قريش، فقال الأول: خزاعة! والله أذل وألأم من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، فسمعهم العباس بن عبد المطلب فعرف الصوت فناداهما، فكان الصوت الأول أبا سفيان والصوت الثاني بديل بن ورقاء الخزاعي، وكما ذكرنا أن بديل بن ورقاء يعيش في داخل مكة المكرمة؛ فهو لا يعرف أحوال خزاعة، وهل خزاعة جاءت بجيش أو غير خزاعة؟ المهم أن العباس ﵁ لما ناداهما فعرف أبو سفيان صوته فقال: أبو الفضل؟ -أي: العباس بن عبد المطلب - فقلت: نعم، قال: ما لك فداك أبي وأمي، فقلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله ﷺ في الناس، وا صباح قريش والله، قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ أستأمنه لك، فوافق أبو سفيان دون تردد؛ لأن موقفه صعب جدًا فهو زعيم قريش.
فوافق دون تردد وانصاع لنصيحة العباس بن عبد المطلب ﵁، وركب خلفه على بغلة رسول الله ﵊، وانطلق إلى الرسول ﷺ، ورجع بديل بن ورقاء إلى مكة المكرمة، وفي ذهابهما إلى الرسول ﵊ كانا كلما مرا على نار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فيقولون: هذه بغلة الرسول ﵊، وهذا عم الرسول ﵊، إلى أن مرا على نار عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه
38 / 6