501

السيرة النبوية

السيرة النبوية

سیمې
مصر
مهمة الجيش الإسلامي الخارج إلى مؤتة
حرص الرسول ﵊ أن تكون مهمة هذا الجيش واضحة تمام الوضوح، فالمسافات بين المدينة وبين الأردن كبيرة جدًا، ولم تكن هناك فرصة للاستشارة أو أخذ الرأي، من أجل هذا حدد الرسول ﷺ مهمة الجيش في أمرين: الأمر الأول: دعوة هذه القبائل إلى الإسلام كما ذكرنا أكثر من مرة، إسلامهم أحب إلينا من أموالهم، أحب إلينا من غنائمهم، فكان دائمًا يقدم الدعوة ﷺ.
الأمر الثاني: قتال شرحبيل بن عمرو الغساني ومن عاونه؛ لأنهم قتلوا رسول رسول الله ﷺ الحارث بن عمير ﵁، ومع أن القتال كان لرد الهيبة والاعتبار، وانتقامًا لكرامة الدولة الإسلامية، وثأرًا للحارث بن عمير ﵁، وتأديبًا لـ شرحبيل بن عمرو وقومه، مع كل هذا إلا أن الرسول ﵊ حرص على ألا تخرج الحرب الإسلامية عن ضوابطها الشرعية، وحرص أن يلتزم المسلمون تمامًا بأخلاقهم حتى في أشد حروبهم.
هذه صورة رائعة حضارية من أرقى الصور في التاريخ، قال لهم ﷺ عند خروجهم من المدينة كما روى أبو داود عن أنس ﵁، قال لهم: (انطلقوا باسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا، ولا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين).
وفي رواية مسلم زاد: (ولا تمثلوا) أي: بالجثث بعد القتل.
هذه هي الحرب في الإسلام، صورة راقية جدًا تحتاج إلى تفصيل، لكن لا يتسع المجال لهذا الآن، لكن كل هذه النصائح وجهت لجيش خرج للانتقام لكرامة الأمة الإسلامية.
المهم في هذا المقام أن نذكر: أن هذا الجيش الإسلامي لم يكن خارجًا لحرب الدولة الرومانية؛ لأن إسلام الدولة الرومانية كان متوقعًا، أو على الأقل أن تبقى على الحياد؛ وذلك للاستقبال الطيب والحسن الذي قابل به هرقل دحية الكلبي ﵁، وللقناعة التي أظهرها هرقل برسول الله ﷺ، فكان من المتوقع أن تتغير قلوبهم للإسلام، وخاصة أنهم أهل كتاب، ومن النصارى، فالرسول ﷺ بعث هذا الجيش لحرب شرحبيل بن عمرو الغساني الذي قتل رسول رسول الله ﷺ، والجيش الإسلامي الذي خرج باتجاه شمال الجزيرة العربية يعتبر من الجيوش الكبيرة في عرف ذلك الزمن، وخاصة أن القبائل العربية لم يكن من عادتها أن تتوحد في حروبها، وليس من المتوقع أن يلقى هذا الجيش الإسلامي جيوشًا أكبر منه بكثير، وهذه الخلفية لا بد أن نضعها في أذهاننا قبل أن نحلل موقعة مؤتة، حتى نعلم أن هذا الجيش لم يلق به إلى التهلكة أبدًا، إنما كان بحسابات ذلك العصر من الجيوش القوية الضخمة.
وأيضًا من الخلفيات المهمة جدًا لهذا الجيش: أنه كان جيشًا أخرويًا بمعنى الكلمة، يعني: أن هذا الجيش بكامله كان من المؤمنين الصادقين الراغبين حقيقة في الموت في سبيل الله، المشتاقين حقيقة للشهادة في سبيل الله، الطامعين في الجنة، الخائفين من النار، كان جيشًا رائعًا بمعنى الكلمة.
عبر عن ذلك أحد أفراد هذا الجيش عبد الله بن رواحة ﵁، لما خرج الجيش من المدينة المنورة بكى هذا القائد الجليل ﵁ بكاءً شديدًا، فظن الناس أنه خائف من الموت، فقالوا له: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار.
يعني: أنا لست خائفًا من الموت، ولا خائفًا من البعد عنكم، لكن أنا خائف أن يكون مصيري النار، يقول: ولكني سمعت سمع الرسول ﵊ يقرأ قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، يقول عبد الله بن رواحة: فلست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود.
هذا يعبر عن مدى خشية وتقوى عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه، مع جهاده وبذله بداية من بيعة العقبة الثانية، فقد كان من الخزرج في بيعة العقبة الثانية، ومرورًا بكل المشاهد مع الرسول ﵊، فكان من أهل بدر، ومن الثابتين في أحد، ومن أهل الأحزاب، ومن أهل بيعة الرضوان، وهو من الذين عاشوا حياتهم يجاهدون بالسنان واللسان، فسيفه مرفوع في كل المعارك، ولسانه ينزل بالقوارع الشعرية على رءوس أعداء الإسلام، ورأينا قبل هذا أنه كان يقول الشعر بين يدي الرسول ﵊ في عمرة القضاء في داخل الحرم، فتاريخه طويل جدًا، وتاريخه مجيد فعلًا، ومع ذلك يخشى أن يسقط في النار إذا مر على الصراط.
فسماعه لهذه الآية العظيمة دفعه إلى أن يقول هذه الكلمة الإيمانية العظيمة: لست أدري كيف لي بالصدور

36 / 4