494

السيرة النبوية

السيرة النبوية

سیمې
مصر
قصة إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة
لقد حدث شيء مهم في شهر صفر سنة ثمان، يحتاج إلى وقفة كبيرة ومهمة، وهو من أعظم ثمار صلح الحديبية وعمرة القضاء، وهذا الحدث يعتبر نقطة تحول ليست في تاريخ مكة المكرمة ولا في تاريخ الجزيرة العربية ولا في تاريخ العالم في ذلك الوقت، ولكن في تاريخ الإنسانية وإلى يوم القيامة، فأنت عندما تتدبر في هذا الحدث وآثار هذا الحدث على الأرض بصفة عامة في عمق الزمان والمكان تجد له آثارًا لا تنتهي، هذا الحدث العظيم هو إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة ﵃ أجمعين، ثلاثة من عمالقة مكة، بل من عمالقة الأرض بصفة عامة، هؤلاء الثلاثة لم يسلموا فقط في شهر صفر سنة ثمان، بل أسلموا في يوم واحد من شهر صفر سنة ثمان، فهذا نصر كبير جدًا للإسلام والمسلمين، فقد عبّر ﷺ عن إسلامهم بقوله: (إن مكة قد ألقت إلينا أفلاذ كبدها) وفي رواية: (أفلاذ أكبادها) يعني: خلاصة ما في مكة هم هؤلاء الثلاثة ﵃ وأرضاهم.
انظر إلى الآثار التي حدثت في الأرض على يد خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، وعلى يد عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، من الآثار أنها فُتحت العراق، وفُتحت فارس، وفُتحت بلاد ما وراء النهر، وفُتحت أرمينية، وفُتحت بلاد كثيرة جدًا في آسيا، وفُتحت الشام، كل ذلك على يد البطل خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، وكذلك فُتحت فلسطين وفُتحت مصر على يد عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، فكم من المسلمين الذين في هذه البلاد؟ وكم من الأعمال الصالحة؟ وكم من الجهاد في سبيل الله؟ وكم من الدعوة إلى الله ﷿؟ وكم من العلم؟ وكم الإضافات الإنسانية؟ كل هؤلاء دخلوا بجهاد هذين البطلين العظيمين: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص ﵄، فهو إنجاز هائل للمسلمين في العام الثامن من الهجرة، فإضافة هذين الاثنين في الدولة الإسلامية من أقوى الإضافات في تاريخ الإسلام، وأعطى الرسول ﵊ هذين الرجلين أهمية خاصة جدًا في أحاديثه وفي معاملاته ﷺ، حتى إنه أعطى خالد بن الوليد ﵁ لقبًا ما أعطاه لأحد قبله ولا بعده، وسماه سيف الله المسلول، وقال عن عمرو بن العاص كلمات ما قالها لأحد غيره ﵁، قال عنه: (أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص) والحديث صحيح كما رواه الإمام أحمد والترمذي رحمهما الله عن عقبة بن عامر ﵁ وأرضاه، وحسّن هذا الحديث الألباني ﵀.
فقوله: (أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص) كلمة كبيرة جدًا في حق هذا البطل العظيم، ويقول الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي عن طلحة ﵁ وصححه الألباني، يقول: (عمرو بن العاص من صالحي قريش) وهذا الكلام فيه أبلغ الرد على كل من يطعن في هذين الصحابيين الجليلين العظيمين اللذين فتحا بلادًا شتى، لا أقول: دخل مئات الآلاف في الإسلام على يديهما فقط، وإنما دخل الملايين من البشر في زمانهم وإلى الآن، فكل المسلمين في فلسطين وفي العراق ومصر والشام، كل هؤلاء يدينون بالفضل لهذين البطلين.
هذا أمر خارج عن التصور، ويعتبر من أعظم أحداث التاريخ الإسلامي، لا بد أن ندرس إسلام هذين البطلين، لا بد أن نفهم لماذا أسلما بعد سنوات طويلة جدًا من الصد والبُعد عن دين الله ﷿؟ فإسلام هذين البطلين وغيرهما يحتاج منا إلى وقفة وتحليل، فالذي دفع هؤلاء إلى الإسلام هو الانبهار بقوة الإسلام، والانبهار بعظمة الرسول ﷺ كقائد، فهؤلاء جميعًا من القادة العسكريين، ومن الفرسان المشهورين في بلاد العرب، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام قائد بارع عظيم من القواد لم يروا مثله قبل ذلك، حتى في موقعة أحد فشل سيدنا خالد في إحباط الخطة التي وضعها الرسول ﷺ إلا بعد أن خالف الرماة أمر الرسول ﷺ، فقد كانت الخطة في تمام الإحكام، وكان سيدنا خالد يدرس هذا الكلام جيدًا، ويعرف أنه لا يستطيع الغلبة على الرسول ﵊، ولولا مخالفة الرماة لما استطاع أن يأتي المسلمين من خلفهم، ولهرب مع من يهرب، فـ خالد قد فشل أكثر من مرة أمام الرسول ﷺ، مما جعله ينبهر تمام الانبهار بقوة وبأس وتخطيط الرسول ﷺ، وفوق ذلك ينبهر بأخلاق الرسول ﵊ كداعية وكإنسان يعيش وسط الناس بمبادئ وقيم معينة لا يخالفها، وعادة العسكريين أنهم يدوسون على كل القيم والأخلاق، ويحققون الأهداف بغض ا

35 / 12