492

السيرة النبوية

السيرة النبوية

سیمې
مصر
عمرة القضاء وآثارها الإيجابية على المسلمين
لقد خرج في هذه العمرة المباركة ألفان من الصحابة ﵃ وأرضاهم من غير النساء والصبيان، يعني: كل من شهد الحديبية خرج إلا من استشهد، وخرج معهم أيضًا آخرون، فالصحابة الذين كانوا في الحديبية هم ألف وأربعمائة، وفي هذا الوقت خرج ألفان، وخرجوا بالسلاح الكامل في موكب مهيب، ومع أن الرسول ﵊ كان متفقًا مع قريش أنه لا يدخل مكة إلا بسلاح المسافر فقط، إلا أنه ﷺ لم يأمن من غدر قريش، فخرج بالسلاح الكامل والعدة الكاملة، بالرماح وبالسهام والدروع وبكل شيء وكأنه مستعد لحرب، لكنه سيترك كل هذه الأشياء خارج مكة ليدخل مكة بسلاح المسافر فقط، وفاء لعهده ﷺ، فجمع بين الأمرين: الأخذ بالأسباب والحماية لهؤلاء الخارجين إلى مكة المكرمة للعمرة، وفي نفس الوقت يدخل بعهده مع قريش إلى مكة بسلاح المسافر، وأحرم ﷺ من ذي الحليفة (أبيار علي)، وظل يلبي من ذي الحليفة إلى أن وصل إلى مكة المكرمة، عشرة أيام تقريبًا من التلبية المتواصلة، ووصل إلى مكة، وهذه اللحظة من أعظم لحظات السيرة النبوية؛ فهي لحظة مهيبة فعلًا، بعد سبع سنوات كاملة من الهجرة، وبعد أن ترك الرسول ﷺ أحب البلاد إليه يعود الحبيب ﷺ إلى بلده مكة.
فالأيام تمر بحلوها ومرها، تمر بسعادتها وأحزانها، الأيام تمر دومًا: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨].
شتان بين حال المسلمين منذ سبع سنوات وحالهم الآن، خرج رسول الله ﷺ من مكة منذ سبع سنوات مهاجرًا يترقب ويستخفي بنفسه ويختبئ هنا تارة وهنا تارة، يخفي آثاره قدر ما يستطيع، واليوم يدخل رسول الله ﷺ مكة معلنًا للجميع أنه داخل، وليس هذا الإعلان لأهل مكة فقط، بل لأهل الجزيرة جميعًا، بل لعله للعالم أجمع.
خرج الرسول ﵊ من مكة منذ سبع سنوات هو وصاحبه الصديق وعامر بن فهيرة والدليل المشرك عبد الله بن أريقط، أربعة نفر لا يكاد يراهم أحد، والآن يعود الرسول ﵊ بألفين من الرجال دون النساء والصبيان، في مظاهرة إيمانية عظيمة، وتلبية تقطع صمت الصحراء، تُعلن لكل الخلق أن: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، حقًا لا شريك لك، حقًا إن الحمد كله لله، وحقًا إن الملك كله لله، والدليل أن هذه العمرة التي نتحدث عنها قبل سبع سنوات منها يخرج أهل مكة جميعًا يبحثون عن رسول الله ﷺ في كل بقعة ليقتلوه، والآن خرج أهل مكة جميعًا إلى جبال مكة وإلى أودية مكة يفسحون الطريق لرسول الله ﷺ، ليدخل مكة معتمرًا ملبيًا، رافعًا رأسه، محاطًا بكوكبة من المسلمين المسلحين بالسيوف في أعظم تشريفة رأتها مكة في كل تاريخها، اكتفى أهل مكة بالمراقبة له ولأصحابه وهم يؤدون شعائر العمرة على طريقة المسلمين.

35 / 10