489

السيرة النبوية

السيرة النبوية

سیمې
مصر
القصة الأولى
القصة الأولى: جاء في البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄: أن الجيش الإسلامي وهو عائد من غطفان إلى المدينة المنورة نزل في مكان ليستريح، فتفرق الناس في ظلال الشجر ليستظلوا، ونزل رسول الله ﷺ تحت شجرة، فعلّق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومًا، أي: الرسول ﷺ وجميع الصحابة ناموا؛ فالطريق متعب، قال: فجاء رجل من الأعراب المشركين فاخترط سيف رسول الله ﷺ ورفعه فوق رأس الرسول ﷺ، وفجأة استيقظ الرسول ﷺ ووجد الأعرابي واقفًا على رأسه بالسيف، فقال له الأعرابي المشرك -وهو من غطفان-: أتخافني؟ الأعرابي يخاطب الرسول ﷺ: أتخافني؟ وهذا السؤال غريب، وكان من المتوقع من هذا الرجل أن يقتل رسول الله ﷺ، وبذلك ينال شرفًا كبيرًا جدًا عند أهل غطفان، لكن الرجل لم يفعل ذلك، وإنما بدأ في حوار مع الرسول ﵊، وهذا لمنع رب العالمين ﷾ رسوله الكريم من أذى الآخرين، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] قال له: أتخافني؟ فرد الرسول ﵊ وقال: لا.
يعني: ما اهتز له جسم ولا دخل في قلبه أي خوف، فتعجب الأعرابي من هذا الموقف، السيف في يده والرسول ﵊ أعزل وليس معه أحد ومع ذلك لا يخاف، فقال الأعرابي: فمن يمنعك مني؟ فقال ﷺ: الله.
وفي رواية أن الأعرابي كرر السؤال ثلاث مرات: من يمنعك مني؟ من يمنعك مني؟ من يمنعك مني؟ وفي كل مرة يقول الرسول ﷺ: الله.
الله، فوقع السيف من يد الأعرابي، وفي رواية البخاري أيضًا يقول: إن الأعرابي شام السيف، أي: أنه أغمد السيف ولم يقع منه رغمًا عن إرادته؛ تعجبًا من ثبات الرسول ﵊، وفي الرواية التي ذكرها الإمام أحمد بن حنبل وابن إسحاق رحمهما الله: أنه عندما وقع السيف من يد الأعرابي، فأمسك رسول الله ﵊ بالسيف ورفعه على الأعرابي وقال له: من يمنعك مني؟ فالأعرابي كافر ما استطاع أن يقول: الله، وما استطاع أن يلجأ إلى آلهته المزعومة من الأصنام، لكن طمع في كرم الرسول ﵊ فقال له: كن خير آخذ، فقال ﷺ: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ فقال الأعرابي: أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك.
أي: أنه لم يسلم، لكنه وعد الرسول ﵊ ألا يقاتله بعد ذلك، وعلى الرغم من الموقف الشديد إلا أن الأعرابي لم يستطع أن يأخذ قرار الإسلام، ومع ذلك أطلق رسول الله ﷺ سراحه ولم يعاقبه، وثبت ذلك في البخاري أن الرسول ﵊ لم يعاقب هذا الرجل، وعاد الرجل إلى أهله سالمًا وقال لهم: جئتكم من عند خير الناس، وفي رواية: أن عددًا كبيرًا من أهله أسلم، وأن هذا الرجل اسمه غورث بن الحارث.
فهذه القصة وإن كانت في ظاهرها عابرة، إلا أنها تركت أثرًا كبيرًا جدًا في أعراب هذه المنطقة من قبائل غطفان، وأدركوا بهذه القصة أن رسول الله ﷺ ليس رجلًا كريمًا فقط، وليس قائدًا شجاعًا جريئًا فقط، وإنما هو أيضًا نبي مرسل؛ لأنه ليس من عادة الملوك والقادة أن يتركوا من وقف على رءوسهم بالسيف مهددًا هكذا، ليس من عادتهم الرحمة والكرم والتسامح إلى هذا الحد، فهذا ليس من طبع الملوك والقادة.
ولا شك أن هذه القصة بالإضافة إلى غزو الرسول ﷺ لهم بجيشه الصغير البسيط دون خوف ولا وجل؛ كان لها أبلغ الأثر في تفكير هؤلاء الأعراب جديًا في قضية الإسلام.

35 / 7