481

السيرة النبوية

السيرة النبوية

سیمې
مصر
مؤامرات اليهود ضد المسلمين بعد غزوة خيبر
هل امتنع كيد اليهود بعد هذه الغزوة، وبعد هذا القتال المرير الذي دار عدة أيام بلغ شهرًا أو أكثر من القتال؟ هل سكنوا لذلك الأمر؟ لم يكتف اليهود بذلك، بل استمروا في المؤامرات وفي الكيد وفي الدس، حتى إنهم فكروا في قتل الرسول ﵊ قبل أن يغادر خيبر.
وكلنا نعرف قصة الشاة المسمومة، ونحتاج إلى أن نقف وقفة مع هذه الشاة، لنرى رد فعل الرسول ﵊ مع هذا الأمر، حيث اجتمع اليهود على محاولة اغتيال الرسول ﵊ بعد انتصار المسلمين في خيبر، وقصة الشاة المسمومة ليست تفكيرًا من امرأة واحدة كما تروي بعض الروايات، بل كان بتدبير من كل اليهود، والروايات كلها صحيحة، ولا بد من الجمع بينها كما سنذكر.
هذه رواية في صحيح البخاري تقول: (إن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها ﷺ، فجيء بها إلى الرسول ﵊ فسألها عن ذلك؟ قالت: أردت قتلك، قال: ما كان الله ليسلطك على ذلك).
وفي بعض الروايات أن هذه المرأة هي زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم الذي قتله المسلمون قبل ذلك، فأرادت أن تنتقم لزوجها القتيل، ولقومها بصفة عامة.
وهناك رواية أخرى في صحيح البخاري أيضًا وفي صحيح مسلم كذلك، يروي هذه الرواية أبو هريرة ﵁، يقول: (لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم، فقال رسول الله ﷺ: اجمعوا لي من هاهنا من اليهود، فجمعوا له اليهود، فقال لهم ﷺ: إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقوني عنه؟ فقالوا: نعم، يا أبا القاسم، فقال لهم ﷺ: من أبوكم؟ قالوا: أبونا فلان، فقال ﷺ: كذبتم، بل أبوكم فلان) ذكروا رجلًا معينًا، فذكر لهم خلافه.
(فقالوا: صدقت وبررت).
بهذا السؤال أثبت الرسول ﵊ لهم أنه يستطيع أن يكتشف الكذب الذي يكذبونه بواسطة الوحي، فسألهم سؤالًا آخر، وقال: (هل أنتم صادقوني عن شيء إن أنا سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كما عرفته في أبينا، فقال لهم ﷺ: من أهل النار؟ فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها) يعني: يمكث اليهود فيها قليلًا ثم يدخل المسلمون فيها إلى الأبد، هذا كلام اليهود.
فقال ﷺ: (اخسئوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا، فقال لهم بعد ذلك: هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم، فقال: هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟ فقالوا: نعم) يعني: أن اليهود اجتمعوا على جعل السم في الشاة ليقتلوا الرسول ﵊، ثم أعطوا هذه الشاة لامرأة سلام بن مشكم لتهديها لرسول الله ﷺ.
فقال لهم ﷺ: (ما حملكم على ذلك؟ فقالوا: أردنا إن كنت كذابًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًا لن يضرك).
فالرسول ﷺ بعد اعتراف اليهود اعترافًا صريحًا جازمًا بأنهم دبروا محاولة لقتله عفا عنهم جميعًا.
فهذه من أبلغ مواطن الرحمة في حياته ﷺ، وعفا عن المرأة التي قدمت له الشاة، وسئل مباشرة ﷺ: (ألا تقتلها؟ قال: لا) ولم يقتل المرأة.
ثم إن أحد الصحابة ﵃ وأرضاهم -وهو بشر بن البراء بن معرور - أكل مع رسول الله ﷺ وقت أكله من الشاة المسمومة، وكما هو مشهور أن الشاة المسمومة قالت لرسول الله ﷺ: (لا تأكل مني فإني مسمومة)، فالرسول ﷺ لفظ الشاة وأمر الصحابة ألا يأكلوا، لكن هذا الصحابي بشر بن البراء كان قد ابتلع قطعة من اللحم من هذه الشاة المسمومة فمات بها، فلما مات بشر بن البراء بن معرور ﵁ أقام رسول الله ﷺ الحد على المرأة التي قدمت الشاة فقتلها به.
يعني: من كل أرض خيبر لم تقتل إلا امرأة واحدة؛ لأنها قتلت رجلًا من المسلمين بالشاة المسمومة، وإذا قارنا هذه المعركة العظيمة بكل معارك الأرض، كما ذكرنا أن ألمانيا قتل منها (٢٠) مليونًا منهم، (١٩) مليون مدني، وهذا تكرر في معظم المعارك الأخرى، ففي (ناجازاكي) و(هيروشيما) قتل ربع مليون وكلهم من المدنيين، رجال ونساء وأطفال، فشتان بين حروب المسلمين وبين حروب غير المسلمين.
من الأشياء الهامة جدًا: أن الرسول ﵊ في غزوة خيبر غنم مجموعة من صحائف التوراة، ومع أنه ﷺ يعلم أنها محرفة تمام التحريف، وأنه قد أزيلت منها البشارات التي تبشر به ﷺ، وأنه قد اعتدي فيها كثيرًا على حرمات الله ﷿، إلا أنه سلم هذه الصحائف كاملة لليهود عندما طلبوها من

34 / 18