475

السيرة النبوية

السيرة النبوية

سیمې
مصر
فتح الرسول ﷺ وأصحابه لحصن قلعة الزبير
بعد أن سقط حصن ناعم، ثم سقط حصن الصعب بن معاذ، وفيه وجدوا الكثير من الطعام كما ذكرنا، انتقلوا بعد ذلك إلى حصن قلعة الزبير، وهو الحصن الثالث في المنطقة، وحصن قلعة الزبير من أمنع الحصون في هذه المنطقة، وكما يقول الرواة: لا تقدر عليه الخيل والرجال؛ لأنه فوق قمة جبل، ويصعب الوصول إليه، ففرض الرسول ﵊ عليه الحصار مدة ثلاثة أيام، ثم ألقى الله ﷿ الرعب في قلب رجل من اليهود، فأتى وتسلل من الحصن، وجاء إلى الرسول ﵊ وطلب الأمان، ثم قال له: يا أبا القاسم! إنك لو أقمت شهرًا ما بالوا، إن لهم شرابًا وعيونًا تحت الأرض، يخرجون بالليل ويشربون منها ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك.
يعني: هناك شراب يدخل إلى الحصن عن طريق عيون تدخل من تحت الأرض، وهم في كل ليلة يخرجون دون أن يشعر المسلمون ويأخذون من هذا الشراب، فيقول اليهودي: فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك.
يعني: لو قطعت هذه العيون لا بد أن يخرجوا؛ لأنهم لن يستطيعوا أن يعيشوا بدون ماء، فقطع ﷺ الماء عن اليهود، فخرجوا وقاتلوا أشد القتال، واستمر القتال فترة من الزمان حتى انتصر المسلمون، وافتتحت قلعة الزبير.
وهذه من أشد المعارك ضراوة في تاريخ المسلمين، فهم عند كل حصن يقاتلون أيامًا، ثم يهربون من الحصن إلى الحصن الذي يليه، وهكذا وهذه الحصون مبنية بمهارة عجيبة جدًا، فكل حصن متصل بالآخر.
وهكذا انتهى الرسول ﵊ من فتح الحصون الثلاثة الأولى، التي هي: حصن ناعم، وحصن الصعب بن معاذ، وحصن قلعة الزبير، وكانت في منطقة تسمى النطاة.
وقبل أن ننتقل ونعرف ماذا عمل الرسول ﷺ بعد فتح حصون منطقة النطاة، لا بد أن نقف وقفة ونقول: إن نصر الله ﷾ يأتي بعد أن يستنفد المسلمون كل أسباب النصر، وقد لا تؤدي هذه الأسباب إلى النصر بذاتها، بل كثيرًا ما يحدث أن يعجز المسلمون بعد بذل الأسباب، ثم يأتي النصر من حيث لا يتوقعون، كما فعل الله ﷿ قبل ذلك في بدر وفي الأحزاب وفي مواطن كثيرة، وجنود الرحمن كثيرون، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١].
وأحد جنود الرحمن ﷾ في موقعة خيبر كان ذلك اليهودي، وهو ما زال على يهوديته، فأتى إلى رسول الله ﷺ وكشف له الطريق الذي به استطاع المصطفى ﷺ والصحابة الذين معه أن يفتحوا هذا الحصن الصعب: قلعة الزبير، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦].

34 / 12