434

السيرة النبوية

السيرة النبوية

سیمې
مصر
كتابة صيغة صلح الحديبية وتوثيقها
بعد أن اتفق الرسول ﷺ على بنود الصلح مع قريش لا بد أن توثق وتسجل في صحيفة تكون بين الدولتين يوقع عليها الطرفان، ويعترف بها في الجزيرة العربية بكاملها، وبدأ الرسول ﷺ الجلوس مع سهيل بن عمرو لكتابة الصحيفة، لكن الرسول ﵊ أمّي لا يكتب ولا يقرأ، فالذي كان يكتب المعاهدة هو علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، والذي يملي عليه الكلمات هو رسول ﷺ، وهذه إشارة قوية جدًا إلى أن اليد العليا في المعاهدة للمسلمين، فهم الذين يملون المعاهدة ويكتبونها، فالرسول ﷺ يملي وعلي بن أبي طالب يكتب، وسهيل بن عمرو مجرد مستمع.
فقال ﷺ: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم)، بداية كل عمل للمسلمين: بسم الله الرحمن الرحيم، فوقف سهيل واعترض، وكل اعتراضات سهيل بن عمرو شكلية، لم يعترض على كل البنود السابقة مع كل الخسائر التي خسرتها قريش لضعف قريش، وإنما هو الآن يعترض اعتراضات شكلية، ونريد أن نشاهد مرونة الرسول ﷺ.
قال سهيل: (ما الرحمن؟) يعني: لسنا موافقين على هذه الكلمة، (ما الرحمن؟ فو الله ما ندري ما هو، اكتب: باسمك اللهم، فالرسول ﵊ قال لسيدنا علي: اكتب: باسمك اللهم)، يعني: (باسمك اللهم) هذه ليست فيها معارضة لأمر شرعي، وإذا لم يكتب الرحمن الرحيم ليس معنى ذلك أنه غير معترف بأن الله ﷿ هو الرحمن الرحيم، لا، وإنما لم يكتب ذلك في المعاهدة، فهذه نقطة شكلية مررها الرسول ﷺ دون وقوف، (فمحا علي بن أبي طالب البسملة وكتب: باسمك اللهم، ثم قال الرسول ﷺ: هذا ما تصالح عليه محمد رسول الله)، ولم يكمل الكلمة بعد حتى وقف سهيل مرة أخرى، لكن هذه الوقفة مهمة جدًا من سهيل قال: (لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله)، يعني: هم لم يعترفوا بعد بنبوة المصطفى ﷺ، فكيف تكتب في الصحيفة ويوقع عليها سهيل، فالرسول ﵊ قال: (إني رسول الله وإن كذبتموني، ثم أمر عليًا أن يمسح رسول الله ﷺ ويكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، فسيدنا علي قال: لا أستطيع أن أمسح كلمة رسول الله، فالرسول ﵊ قال له: أرني مكانها، فأشار له علي ﵁ وأرضاه على مكان الكلمة، فمحاها ﷺ بنفسه)، هذا موقف في منتهى العمق، فـ سهيل بن عمرو يريد أن يأخذ الرسول ﷺ في قضايا جانبية بعيدة عن الصلح، فهو يسحبه في تفريعات بعيدة عن الموضوع الأساس الذي نتكلم فيه، وكانت رؤية الرسول ﵊ واضحة جدًا، فهو يريد أن تتم المعاهدة؛ لأن هذه البنود كلها في صالح المسلمين، ويرى أن فيها نصرًا للمسلمين، لم يكونوا يحلمون قبل صلح الحديبية، فالمسلمون يقولون: كان كل طموحنا أننا نؤدي العمرة ونرجع مرة أخرى إلى المدينة المنورة، والآن عندنا كل المكاسب، فلا نعطل الصلح من أجل كلمة كذا أو كذا، فالرسول ﷺ يريد للصلح أن يتم، وهذه الكلمات لن تؤثر على الصلح.
إذًا: النبي ﷺ يمحو كلمة: محمد رسول الله، ويكتب: محمد بن عبد الله، وهذا الكلام ليس فيه خطأ هو فعلًا محمد بن عبد الله ﷺ، فلماذا لا نكتب هذا الأمر وتمر المعاهدة بسلام، ويخرج المسلمون بكل هذه الفوائد التي فيها؟! من المرونة أن أتنازل عن أشياء لا تقدم ولا تؤخر، وليس فيها مخالفة شرعية، وهذا واضح من إقرار الرسول ﷺ لمحو هذه الكلمات، فهو ﷺ لا يقر باطلًا أبدًا، ونحن نحتاج إلى أن نفهم هذا الكلام جيدًا، نحتاج إلى أن نفهم متى نتشدد ومتى نتساهل، متى نقول: لا يمكن أبدًا أن نتنازل عن هذا الأمر، ومتى نقول: يمكن نتنازل عن هذا الأمر أو نقبل بهذا الأمر.

31 / 10