255

السيرة النبوية

السيرة النبوية

ایډیټر

طه عبد الرؤوف سعد

خپرندوی

شركة الطباعة الفنية المتحدة

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أشدُّ مَا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا فَلَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ إلَّا كذَّبه وَآذَاهُ، لَا حُر وَلَا عَبْدٌ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مَنْزِلِهِ، فَتَدَثَّرَ مِنْ شدةِ مَا أَصَابَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، [المدثر: ١، ٢] ١.
إسلام حمزة ﵁:
سبب إسلامه: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ، كَانَ وَاعِيَةً: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الصَّفَا، فَآذَاهُ وَشَتَمَهُ، وَنَالَ مِنْهُ بَعْضَ مَا يَكْرَهُ مِنْ العَيْب لِدِينِهِ، وَالتَّضْعِيفِ لِأَمْرِهِ؛ فَلَمْ يُكَلِّمْهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ ومولاةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعان بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْم بْنِ مُرَّةَ فِي مَسْكَنٍ لَهَا تَسْمَعُ ذَلِكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَعَمَدَ إلَى نادٍ٢ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ. فَلَمْ يَلْبَثْ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ أَنْ أَقْبَلَ متوشحًا قوسَه، راجعًا من قَنَص يَرْمِيهِ وَيَخْرُجُ لَهُ، وَكَانَ إذَا رَجَعَ مِنْ قَنَصه لَمْ يَصِلْ إلَى أَهْلِهِ حَتَّى يطوفَ بِالْكَعْبَةِ، وَكَانَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَمُرَّ عَلَى نادٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَّا وَقَفَ وَسَلَّمَ وَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ، وَكَانَ أعزَّ فَتًى فِي قُرَيْشٍ، وأشدَّ شَكِيمَةً. فَلَمَّا مَرَّ بالمَوْلاةِ، وَقَدْ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَيْتِهِ- قَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا عُمارة، ولو رَأَيْتَ مَا لَقِيَ ابْنُ أَخِيكَ مُحَمَّدٌ آنِفًا من أبي الحكم بن هشام: وجده ههنا جَالِسًا فَآذَاهُ وَسَبَّهُ وَبَلَغَ مِنْهُ مَا يَكْرَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ مُحَمَّدٌ ﷺ.
فَاحْتَمَلَ حَمْزَةَ الْغَضَبُ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، فَخَرَجَ يَسْعَى وَلَمْ يَقِفْ عَلَى أَحَدٍ، مُعِدًّا لِأَبِي جَهْلٍ إذَا لَقِيَهُ أَنْ يوقع به؛ فلما دخل المسجد نظهر إلَيْهِ جَالِسًا فِي الْقَوْمِ، فَأَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى إذَا قَامَ عَلَى رَأْسِهِ رَفَعَ الْقَوْسَ فَضَرَبَهُ بِهَا فَشَجَّهُ شَجَّةً منكَرة، ثُمَّ قَالَ: أَتَشْتِمُهُ وَأَنَا عَلَى دِينِهِ أَقُولُ مَا يَقُولُ؟ فرُد ذَلِكَ عَلَيَّ إنِ اسْتَطَعْتُ. فَقَامَتْ رِجَالٌ مِنْ بني مخزوم إلى حمزة لينصروا

١ قال السهيلي في الروض الأنف: في تسميته إياه بالمدثر: في هذا المقام ملاطفة وتأنيس ومن عادة العرب إذا قصدت الملاطفة أن تسمي المخاطب باسم مشتق من الحالة التي هو فيها، كقوله ﵇ لحذيفة: قم يا نَوْمان، وقوله لعلى بن أبي طالب -وقد ترب جنبه: قم أبا تراب.
٢ أي أهل ناد.

1 / 260