وقوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ اُلْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٤] لعظمته وإحاطته بما سواه، وأنه أكبر من كل شيءٍ، وأنه واسع؛ فيُرى ولكن لا يُحاط به إدراكًا، كما يُعلم ولا يحاط به علمًا، فيُرى ولا يحاط به رؤيةً.
فهكذا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ هو متضمن لإثبات جميع صفات الكمال على وجه الإجمال. وهذا هو المعقول في نظر النَّاس وعقولهم، وإذا قالوا: فلان عديم المثل، أو قد أصبح ولا مثل له في النَّاس، أو ما له شبيهٌ، ولا له من يكافئه؛ إنما يريدون بذلك أنه تفرد من الصِّفات والأفعال والمجد بما لم يلحقه فيه غيره، فصار واحدًا من الجنس لا مثيل له. ولو أطلقوا ذلك عليه باعتبار نفي صفاته وأفعاله ومجده لكان ذلك عندهم غاية الذمِّ والتنقُّص له. فإذا أُطلق ذلك في سياق المدح والثناء لم يَشُكَّ عاقلٌ في أنه إنما أراد كثرة أوصافه وأفعاله وأسمائه التي لها حقائق تحمل عليها.
فهل يقول عاقلٌ لمن لا علم له، ولا قدرة، ولا سمع ولا بصر، ولا يتصرف بنفسه، ولا يفعل شيئًا، ولا يتكلم، ولا له وجهٌ ولا يدٌ ولا قوة ولا فضيلة من الفضائل: إنه لا شبيه له، ولا مثل له، وإنه وحيدُ دهره، وفريدُ عصره ونسيجُ وحده. وهل فَطَرَ الله الأُمم وأطلق ألسنتهم ولغاتهم إلَّا على ضد ذلك؟!
وهل كان ربُّ العالمين أهلَ الثناء والمجد إلَّا بأوصاف كماله، ونعوت جلاله، وأفعاله، وأسمائه الحسنى. وإلا فبماذا يُثني عليه المثنون، وبماذا يُثني على نفسه أعظمَ ممَّا يُثني به عليه جميع خلقه؟ ولأي شيءٍ يقول أعرف
2 / 655
الفصل الأول: في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا
الفصل الثالث: في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء
الفصل الخامس: في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ممتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما
الفصل السادس: في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ
الفصل السابع: في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه
الفصل الثامن: في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل
الفصل الثاني عشر: في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه
الفصل الثالث عشر: في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالف لحقيقته وظاهره
الفصل الرابع عشر: في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات بالإبطال
الفصل السادس عشر: في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله