وإن أردتم بالجسم ما له وجهٌ ويدان وسمعٌ وبصرٌ، فنحن نؤمن بوجه ربنا الأعلى وبيديه وبسمعه وبصره، وغير ذلك من صفاته (^١) التي أطلقها على نفسه.
وإن أردتم بالجسم ما يكون فوق غيره ومستويًا على غيره، فهو سبحانه فوق عباده مستوٍ على عرشه.
وكذلك إن أردتم بالتشبيه والتركيب هذه المعاني التي دلَّ عليها الوحي والعقل، فنفيكم لها بهذه الألقاب المنكرة خطأ في اللفظ والمعنى، وجناية على ألفاظ الوحي والعقل وحقائق صفات الربِّ.
أمَّا الخطأ اللفظي فتسميتكم الموصوف بذلك جسمًا مركبًا مؤلَّفًا مشبهًا لغيره، وتسميتكم هذه الصِّفات تجسيمًا وتركيبًا وتشبيهًا؛ فكذبتم على القرآن وعلى الرَّسول وعلى اللغة، ووضعتم لصفاته ألفاظًا منكم بدأت، وإليكم تعود.
وأمَّا خطأكم في المعنى فنفيكم وتعطيلكم لصفات كماله بواسطة هذه التسمية والألقاب، فنفيتم المعنى الحقَّ، وسميتموه بالاسم المنكر. وكنتم في ذلك بمنزلة من سمع أن في العسل شفاءً ولم يره، فسأل عنه فقيل له: مائع رقيق أصفر شبه العذرة تتقيَّأه الزنابير. ومن لم يعرف العسل يَنفِر عنه بهذا التعريف، ومن عرفه وذاقه لم يزده هذا التعريف عنده إلَّا محبةً له ورغبةً فيه. وما أحسن ما قال القائل (^٢):
(^١) «ح»: «صفات». والمثبت من «م».
(^٢) البيتان لابن الرومي، أنشدهما في «ديوانه» (٣/ ١١٤٤)، وقد وقع فيهما تغيير، والصواب كما في «الديوان»:
في زخرف القول ترجيح لقائله ... والحق قد يَعْتريهِ بعض تَغييرِ
تقول هذا مُجاج النَّحل تمدحه ... وإنْ تَعِبْ قلتَ ذا قَيْءُ الزَّنابيرِ
الفصل الأول: في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا
الفصل الثالث: في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء
الفصل الخامس: في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ممتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما
الفصل السادس: في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ
الفصل السابع: في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه
الفصل الثامن: في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل
الفصل الثاني عشر: في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه
الفصل الثالث عشر: في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالف لحقيقته وظاهره
الفصل الرابع عشر: في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات بالإبطال
الفصل السادس عشر: في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله