دعواتهم. وبينه وبينهم واسطة في تبليغ أمره ونهيه وخبره إليهم، فلا يعرفون ما يحبه ويرضاه ويبغضه ويسخطه، ولا حقائق أسمائه وتفصيل ما يجب له ويمتنع عليه ويُوصف به إلَّا من جهة هذه الواسطة. فجاء هؤلاء الملاحدة فعكسوا الأمر، وقلبوا الحقائق، فنَفَوْا كون الرُّسل وسائطَ في ذلك، وقالوا: يكفي توسط (^١) العقل. ونفوا حقائق أسمائه وصفاته وقالوا: هذا التوحيد.
فهذا توحيدهم، وهذا إيمانهم بالرُّسل. ويقولون: نحن نُنزِّهه (^٢) عن الأعراض والأغراض والأبعاض والحدود والجهات وحلول الحوادث. فيسمع الغِرُّ المخدوع هذه الألفاظ فيتوهَّم منها أنهم يُنزِّهون الله عمَّا يُفهم من معانيها عند الإطلاق من العيوب والنقائص والحاجة، فلا يشك أنهم يمجدونه ويعظمونه. ويكشف النَّاقد البصير ما تحت هذه الألفاظ فيرى تحتها الإلحاد، وتكذيب الرُّسل، وتعطيل الربِّ تعالى عمَّا يستحقه من كماله.
فتنزيهه عن الأعراض هو جحد صفاته، كسمعه وبصره وحياته وعلمه وكلامه وإرادته، فإن هذه أعراض لا تقوم إلَّا بجسمٍ، فلو كان متصفًا بها لكان جسمًا، وكانت أعراضًا له، وهو منزَّهٌ عن الأعراض.
وأمَّا الأغراض فهي الغاية والحكمة التي لأجلها يفعل ويخلق ويأمر وينهى ويُثيب ويعاقب، وهي الغايات المحمودة المطلوبة له من أمره ونهيه وفعله، فيسمونها عللًا وأغراضًا، ثم ينزهونه عنها.
(^١) «ح»: «تلقى يوسط». والمثبت من «م».
(^٢) «ح»: «ننزه». والمثبت من «م».
1 / 579
الفصل الأول: في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا
الفصل الثالث: في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء
الفصل الخامس: في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ممتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما
الفصل السادس: في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ
الفصل السابع: في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه
الفصل الثامن: في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل
الفصل الثاني عشر: في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه
الفصل الثالث عشر: في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالف لحقيقته وظاهره
الفصل الرابع عشر: في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات بالإبطال
الفصل السادس عشر: في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله