ولقد صدق هذا الأعمى البصر والبصيرة، ووصف حال القوم فأحسن والله الصفه (^٢)، وعبَّر عن حالهم بأشد عبارةٍ مطابقة، بزُمرة عميان قاموا في ليلة مظلمة يتهاوشون (^٣) ويتصادمون.
وأمَّا كَذِبهم فإن أدلة الحقِّ وشُبَه الباطل لا تتكافأ حتى يتكافأ الضوء والظلام، والبياض والسواد، والمسك وأنتن الجِيَف. فسبحان من أعمى عن الحق بصائر من شاء من خلقه، كما أعمى عن الشمس أبصار من شاء منهم، فالذنب لتلك البصائر لا للحق، كما أن الحِجاب في تلك العيون لا في الشمس. ولقد أحسن القائل في وصف هؤلاء وبصائرهم أنها بمنزلة أبصار الخفاش يَعجِز عن ضوء النهار، ولا تفتح أعيُنَها فيه [ق ٤٨ ب] ويلائمها ظلام الليل فتذهب فيه وتجيء.
ولهذا تجد أكثر هؤلاء لمَّا لم يتبيَّن له الهدى في شيءٍ من تلك الطرق نكص على عقبَيْه، وخَلَعَ العِذَارَ، ونزع قيد الشريعة من قلبه، وأقبل على شهوات الغي في بطنه وفرجه أو رياسته وماله، فأقبل على اللذات، وسماع
(^١) البيت لأبي العلاء المعري، وقد تقدم (ص ١٤٥).
(^٢) «ح»: «الفقه». والصفة: الوصف.
(^٣) تهاوش القوم تهاوشًا: إذا اختلطوا في الفتن واضطربوا. «غريب الحديث» لابن قتيبة (١/ ٣٧٦).
1 / 509
الفصل الأول: في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا
الفصل الثالث: في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء
الفصل الخامس: في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ممتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما
الفصل السادس: في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ
الفصل السابع: في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه
الفصل الثامن: في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل
الفصل الثاني عشر: في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه
الفصل الثالث عشر: في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالف لحقيقته وظاهره
الفصل الرابع عشر: في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات بالإبطال
الفصل السادس عشر: في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله