أخبر به السمع إجمالًا وتفصيلًا من المعقول أصح ممَّا (^١) معكم، ولا تذكرون معقولًا يعارض ما ورد به الوحي إلَّا ومعهم معقولٌ أصح منه يُصدِّقه ويُؤيِّده.
الوجه التَّاسع: أن يُقال: لو قُدِّر تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع؛ لأن العقل قد صدَّق الشرع، ومِن ضرورة تصديقه له قبول خبره، والشرع لم يُصدِّق العقل في كل ما أخبر به، ولا العلم بصِدْق الشرع موقوفٌ على كل ما يخبر به العقل.
ومعلوم أن هذا المسلك إذا سُلك أصح من مسلكهم، كما قال بعض أهل الإيمان: يكفيك من العقل أن يُعرفك صدق الرَّسول ومعاني كلامه، ثم يخلي بينك وبينه. وقال آخر: العقل سلطانٌ ولَّى الرَّسول ثم عزل نفسه. لأن (^٢) العقل دلَّ على أن الرَّسول يجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ولأن العقل يدل على صدق الرَّسول دلالةً عامةً مطلقةً، ولا يدل على صدق قضايا نفسه دلالةً عامةً؛ ولأن العقل يغلط كما يغلط الحسُّ، وأكثر من غلطه بكثيرٍ، فإذا كان حكم الحسِّ من أقوى الأحكام ويعرض فيه من الغلط ما يعرض، فما الظن بالعقل؟!
الوجه العاشر: أن العقل مع الوحي كالعامِّي المقلِّد مع المفتي العالم، بل ودون ذلك بمراتب كثيرة لا تُحصى، فإن المقلِّد يمكنه أن يصير عالمًا، ولا يمكن للعالم أن يصير نبيًّا رسولًا. فإذا عرف المقلِّد عين المفتي ودلَّ
(^١) «ح»: «ما».
(^٢) «ح»، «م»: «ولأن». والمثبت من «درء التعارض» (١/ ١٣٨).
1 / 482
الفصل الأول: في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا
الفصل الثالث: في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء
الفصل الخامس: في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ممتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما
الفصل السادس: في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ
الفصل السابع: في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه
الفصل الثامن: في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل
الفصل الثاني عشر: في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه
الفصل الثالث عشر: في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالف لحقيقته وظاهره
الفصل الرابع عشر: في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات بالإبطال
الفصل السادس عشر: في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله