مدلولها فوق إفادة كل دليلٍ عقليٍّ لمدلوله. فقول من قال: إنها لا تفيد اليقين بمدلولها لأنها أدلة لفظية (^١)، والأدلة الخلقية (^٢) لا تفيد لكونها أمثالًا جزئية لا أقيسة كلية. فيُسمُّون آياته السمعية أدلة لفظية، وآياته العيانية تمثيلات جزئية، ويقولون: هذا تمثيلٌ لا دليلٌ. وفي الأول: هذا دليلٌ لفظيٌّ لا عقليٌّ= فقولُ هؤلاء قلبٌ للحقائق، وعكسٌ لما فَطَرَ الله عليه عباده، وقدحٌ في المعلوم قطعًا ويقينًا بالشُّبه الخيالية والأقيسة المنطقية. وقد أفسدوا من الفِطَر وغيَّروها عمَّا فُطرت عليه خلائق لا يُحصيهم إلَّا الله. وهؤلاء للملل بمنزلة السُّوس في الخشب والثياب وغيرهما، ولهذا سمَّاهم أنصارُ الله ورسوله «سوسَ الملل» (^٣).
وإذا شئت أن تعرف حقيقة الأمر فانظر إلى أهل الأدلة السمعية، وأهل الأدلة المنطقية العقلية، ووازِنْ بين معارف هؤلاء وعلومهم وإيمانهم وهدايتهم ونفع الخلق بهم وسيرتهم، وبين علوم أولئك ومعارفهم وسيرتهم وضرر الخلق بهم وإخراجهم لمن أنشبوا مخالبهم فيه من العقل والدِّين خروج الشَّعرة من العجين.
الوجه الحادي والستون: أنه من أعظم المُحال أن يكون المصنِّفون في جميع العلوم قد بيَّنوا مرادهم، وعَلِمَ النَّاس مرادهم منها يقينًا - سواء كان ذلك المعلوم مطابقًا للحق أو غير مطابقٍ له - ويكون الله ورسوله لم يُبيِّن
(^١) «ح»: «القطعية». والمثبت هو الصواب.
(^٢) «ح»: «العقلية». والمثبت هو الصواب.
(^٣) وقد سماهم سوس الملل: شيخُ الإسلام ابن تيمية في مواضع، منها: «بيان الدليل على بطلان التحليل» (٢/ ١٥٨) و«بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ٦٧، ٤٨١) و«مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٩٠).
1 / 448
الفصل الأول: في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا
الفصل الثالث: في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء
الفصل الخامس: في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ممتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما
الفصل السادس: في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ
الفصل السابع: في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه
الفصل الثامن: في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل
الفصل الثاني عشر: في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه
الفصل الثالث عشر: في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالف لحقيقته وظاهره
الفصل الرابع عشر: في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات بالإبطال
الفصل السادس عشر: في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله