كثير من الكفار على أمر يخص المسلمين وتطابقت شهادتهم فالغالب صدقهم؛ لاستبعاد تواطئهم على الكذب والنادر أن يتفقوا وهم كثرة على الكذب.
ولكن الشرع لم يعتبر شهادتهم؛ فلم يحكم بصدقها ولا بكذبها بل ألغاها. وهذا من تمام نعمة الله على المسلمين ولطفه بهم؛ حيث لم يجعل لعدوهم يداً عليهم(١). وكما اشتُرِط في الشهادة كون الشاهد مسلماً اتفق الفقهاء على أن العدالة شرط من الشروط الواجب توافرها في الشاهد؛ كما اتفقوا(٢) - أيضاً - على عدم قبول شهادة الفاسق بفعله؛ كشارب الخمر والزاني وآكل الربا: وآكل مال اليتيم وكذا الفاسق باعتقاده: كأهل البدع والأهواء والاعتقادات الفاسدة لا تقبل شهادة هؤلاء على الراجح من أقوال العلماء مع أنه إذا شهد جمع كثير من الفساق فإن الغالب صدقهم والنادر كذبهم ولكن لم يحكم الشرع بصدقهم، لأنهم متهمون بالكذب في الظاهر؛ لأنهم لما لم ينزجروا عن ارتكاب محظورات دينهم مع اعتقاد حرمتها فالظاهر أنهم لا ينزجرون عن شهادة الزور مع اعتقاد حرمتها(٣). ولم يحكم الشرع بكذبهم؛ لأن اجتماع العدد الكثير منهم على الشهادة مَظِنَّة صدقهم؛ فأهملت شهادتهم رحمة بالعباد؛ لئلا يشهد الفساق على عدول فيلحقهم بذلك الضرر.
(١) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد جـ٢/٤٥١.
(٢) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد جـ٢/٤٥١.
(٣) الفروق جـ٤/١١٠، ١١١.