وَقَعَا في الكتاب؛ من تصدير الحديث، بأنَّه (أثر)، ومع الزيادة التي لا أصلَ لها فيه! -، وإنَّما وجّه كلَّ هِمَّته إلى تخريج الحديث، وبيان الخلاف في إرسالهِ ووصلهِ! وانتهى إلى القول (٢/ ٢١٤):
"فالحديثُ ضعيفٌ، لترجيح الرواية المرسلة على غيرها من الروايات"!
يعني رواية محمود بن لَبِيد ﵁!
فأقولُ: إنَّ مجال الرَّد على هذا التضعيف مما لا يَسَعُ له المجالُ الآن، وحسبنا فيه روايةُ محمودٍ نفسه، فإِنَّها كافيةٌ للرَّد عليه، فإِنَّ ترجيحه المذكور بناه على قول ابن حبان في (محمود) أنَّه من التابعين! وتجاهل جَزْمَ إمام المحدّثين بصحبته، وقد أثبت ذلك بروايةٍ صحيحةٍ عن عاصم نفسهِ، وكذلك أحمدُ بإيرادهِ إياها بإسنادين آخرين عنه في "مسنده"، وفيها أنَّه مَشَى مع النبي ﷺ إلى المسجد، وأنَّه صلّى معه المغرب، وأنّه صلّى معه صلاة الكسوف، قال: قرأ فيما نرى ﴿الر كِتَابٌ. . .﴾؛ فهو -إذن- صحابيٌّ وبناءً عليه؛ أخرج له الإِمام أحمد في "مسنده" عدة أحاديث، هذا أحدُها، وقد حَسَّنه التِّرمذي، وصَحَّحه الحاكم، والذهبي، وكتم (الهَدَّام) ذلك كُلَّه عن قرائه -كما هي عادته-، وصحَّح له ابن خزيمة، غير ما حديث في "صحيحه" مثل (٩٣٧ و١٢٠٠)، وكذلك المنذري في "الترغيب" (١/ ٣٤)، (٤/ ٩٤)؛ وقال في الموضع الأوّل: "وابن خزيمة لا يخرِّج في "صحيحه" من المراسيل"؛ وبعضها مُخَرَّجٌ في "الصحيحة" (٨١٣ و٩٥١).
ولَمَّا تقدّم قال ابن عبد البرّ في "الاستيعاب":
"قول البُخاري أولى، وقد ذكرنا من الأحاديث ما يشهدُ له".
ومنه يتبيَّن أنَّ (الهدَّام) يتشبَّثُ ببعض الأقوال المرجوحة في سبيل