الموسوعة العقدية
الموسوعة العقدية
خپرندوی
موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net
المطلب السادس: نواقض الإيمان بالنبي ﷺ
إن مما ينبغي معرفته بعد توضيح معنى الإيمان بالنبي ﷺ، وتبيين شروط الشهادة ومراتبها، أن تعرف نواقض هذا الأمر ومبطلاته حتى يحترز المسلم من الوقوع فيها، فعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ...» (١) الحديث.
وعن عمر بن الخطاب ﵁: (إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) (٢).
ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم أعظم هذه الأمة إيمانًا لكمال معرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم للخير، وبغضهم للشر، لما علموه من حسن حال الإيمان والعمل الصالح، وقبح حال الكفر والمعاصي.
ولمعرفة نواقض الإيمان به ﷺ نقول:
لما كان الإيمان به ﷺ يعني تصديقه وتصديق ما جاء به ﷺ، والانقياد له، فإن الطعن في أحد هذين الأمرين ينافي الإيمان ويناقضه. فالنواقض على هذا الاعتبار يمكن تقسيمها إلى قسمين:
القسم الأول: الطعن في شخص الرسول ﷺ.
القسم الثاني: الطعن فيما أخبر به الرسول ﷺ مما هو معلوم من الدين بالضرورة، إما بإنكاره أو بانتقاصه.
القسم الأول: الطعن في شخص الرسول ﷺ:
ومما يدخل تحت هذا القسم نسبة أي شيء للرسول ﵊ مما يتنافى مع اصطفاء الله له لتبليغ دينه إلى عباده، فيكفر كل من طعن في صدق الرسول ﷺ، أو أمانته، أو عفته، أو صلاح عقله ونحو ذلك.
كما يكفر من سب الرسول ﷺ، أو عابه، أو ألحق به نقصًا في نفسه، أو نسبه، أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرّض به، أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغض منه أو العيب له، فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب يقتل كفرًا، وكذلك من لعنه، أو دعا عليه، أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه مالا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام، وهُجر ومنكر من القول وزور، أو عيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو تنقصه ببعض العوارض البشرية الجائزة المعهودة لديه (٣).
فالساب إن كان مسلمًا فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم.
وإن كان ذميًا فإنه يقتل أيضًا في مذهب مالك وأهل المدينة، وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث، وهو المنصوص عن الشافعي نفسه كما حكاه غير واحد (٤).
وهذا الحكم على الساب والمستهزئ، يستوي فيه الجاد والهازل بدليل قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، (فالسب المقصود بطريق الأولى)، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله ﷺ جادًا أو هازلًا فقد كفر.
(١) رواه البخاري (٣٦٠٦)، ومسلم (١٨٤٧).
(٢) «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٩٠).
(٣) «الشفا» للقاضي عياض (٢/ ٩٣٢) بتحقيق علي محمد البجاوي.
(٤) «الصارم المسلول على شاتم الرسول» لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص: ٤، ٨) بتصرف.
1 / 294