الإمام البقاعي ومنهاجه في تأويل بلاغة القرآن
الإمام البقاعي ومنهاجه في تأويل بلاغة القرآن
ژانرونه
•Methods of the Exegetes
سیمې
مصر
الإمَامُ البِقَاعِيّ
جهادُه ومنهاجُ تأوِيله بلاغة
القرْآن الكَرِيم
إعداد
محمود توفيق محمد سعد أستاذ البلاغة والنقد ورئيس القسم في كلية اللغة العربية جامعة الأزهر الشريف شبين الكوم.
الطبعة الأولى
١٤٢٤هـ
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
ملحوظة مهمة)
هذا البحث قد تمَّ نشلره في القاهرة - مكتبة وهبة
وعنواها: القاهرة شارع الجمهورية - عابدين - هاتف رقم ٣٩١٧٤٧٠
وقد وضعته هنا لمن لم يتسير له اقتناء النسخة الورقية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
﴿الْحَمْدُ للهِ رَبّ الْعالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ﴾
اللهمَّ صلِّ على مُحمدٍ وعلى آلِ مُحمَّدٍ كما صلّيت علَى إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ إنّك حميدٌ مَجيدٌ، وباركْ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما باركت على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ إنَّك حميدٌ مجيدٌ
أمَّا بعدُ، فإنَّ من سنَّة الله ﷿ في خلقه أنَّه ما أوغلت أمة من الأمم في البعد عن طاعة الله ﷾ ورضوانه، واستهترت في الذنوب والمعاصي إلاَّ أقام فيها نبيًّا أو أرسلَ رسولا
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (فاطر:٢٤)
حتى كانت خاتم الأمم: أمَّة العربِ اتَّخذت الشرك دينا والظلم منهاجا والآثام احترافا، فأرسل فيها خاتمَ الرُّسلِ وأكرمَهم عليه ﷻ سيدنا محمد بن عبد الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا وأنزل عليه"القرآن الكريم" وجعله الكتابَ المُصدِّق لما بين يديه والمُهَيْمِنَ والناسخ للشرائع التي سبقته:
1 / 1
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة:٤٨)
ولمَّا كان النبي محمد ﷺ خاتم الرسل وكانت أمته: أمة الدعوة أبسط الأمم موطنًا وأمدَّ الأممِ زمانًا، وكان لزامًا أن يُوغِل بعضُ هذه الأمةِ بل وأغلبُها في البُعد عمَّا يرضي رب العالمين ﷻ، وليس من نبيّ آت من بعده، كان من فضل الله ﷿ على هذه الأمة أن يبعث فيها على رأس كل مئة سنة من يُجدِّد لها دينها:
روى "أبو داود ﵃ في سننه في صدر كتاب الملاحم بسنده عن أبي هريرة ﵃ أنَّ رسول الله ﷺ قال:
" إنّ الله يَبْعَثُ لهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأسِ كُلّ مِئَةِ سَنَةٍ مَن يجَدِّدُ لها دِينَها "
أولئك المبعوثون إنَّما هم أئمة العلماء: ورثة الأنبياء، يجددون لهذه الأمَّة فقه دينها، فيتجدد لها تدينها، وحسن التزامها في سلوكها بما جاءها عن الله ﷿ في كتابه وعن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا في سنته المطهرة على النحو الذي يرضي به الله ﷿
إنّ تجديد العلماء: ورثة الأنبياء للدين إنّما هو تجديد فهم للكتاب والسنة فهما يبعث الناس على حسن التديُّن بالكتاب والسنة وليس غيرهما.
1 / 2
ومن لطيف وبديع البيان النبوي أنَّ ما يكون فيه تجديد العلماء المبعوثين على رأس كل مئة سنة سمَّاه " دينًا " أي تديّنًا.
في هذا إشارة نبوية إلى أنَّ ما يكون من العلماء في فهم الدين (النَّصِّ/ الخطاب الإلهي والنبويّ للأمّة) هو من الدَّين (التَّدين) وليس شيئا خارجا عن الكتاب والسنة بل هو شيءٌ خارج منهما، فاجتهاد العالم في فهم الكتاب والسنة وفق أصول الفهم الصحيح لهما هو من الكتاب والسنة، فعَلى الأمّة ألاَّ تطمَئِنَّ إلى اجتهادٍ إلاَّ إذا كان من عالمٍ بالكتاب والسنَّة وطرائق فقههما، وأن يكونَ اطمئنانُها إلى ما جاء عن مجامعِ أهلِ العِلْمِ أقوى من اطمئنانها إلى ما جاءت به الغرائب والفرائد من اجتهادات فردية، فنحن اليوم في سياق الاجتهاد الجَمْعِىِّ الذي يتظاهر ويتعاون عليه جمعٌ من أهل العلم المتخصصين المخلصين، فإنَّ في اجتماعهم وتشاورهم وتناصحهم مأمنًا من العثرة، ومن إغواء شيطان أو جرأة سلطان.
وفي هذا أيضًا هديٌ نبويٌّ للأمّة أنَّ ما يأتي به العلماءُ من اجتهاد في فقه وفهم الكتاب والسنّة وفقَ أصولِ الفقه والفهم عن الله رب العالمين وعن رسوله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إنَّما فيه خير هذه الأمة، وأنّ عليها أن تقبل على هذا الخير وأن تشكر الله ﷿ على أنْ أقام فيها من يجدد لها فقهها وفهمها لكتابه وسنة نبيه ﷺ، فيكون من ذلك التجديد في الفقه والفهم تجديد التدين بالكتاب والسنة
وفي هذا هدْيُ نبويٌّ للأمة – أيضًا – أن ترعى لعلماء الكتاب والسنة العاملين بهما حقّهم، فلا يعتدى على أعراضهم وسيرهم، ولا يسمع لمقال مفسد يرمى بإفكه في آذان الدهماء بما يجرح صور علماء الأمة في أفئدة أبنائها، فيرغبون عنهم إلى غيرهم من الذين يتكسبون عرض الدنيا بالقول في كتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ
1 / 3
وفي البعث على رأس كل مئة سنة إشارة إلى أن الله ﷿ من فيض رحمانيته ورحيميته لم يدع هذه الأمة تقيم في الإيغال في المعصية والاستهتار في البعد عن الطاعة أمدًا طويلا بل يجعل في كل جيل من أجيالها من يُجدِّد لها دينها، فلا تتراكم الدياجير عليها، فيكون إخراجها من تلك الدياجير غير عسير؛ لأنَّ من أقام في ظلمات المعصية أمدًا بعيدًا كان غير يسير على من قام لإخراجه منها أن ينجز ما قام له،وهذا من فيض العون الإلهي لورثة النبي ﷺ
المجدد المبعوث على رأس كلِّ سنة لايكون واحدًا بل يكون البعث لأكثر من واحد في مجالات عدة، ومن ثمَّ فإنِّي أعدُّ بعضًا من أهل العلم في قرن واحد ومجالاتٍ من الفقه في الكتاب والسنَّة ممن ابتعثهم الله ﷿ يجدد لهذه الأمة دينها: فهم كتابه وسنة نبيه ﷺ
في القرن التاسع الهجري مجددون لهذه الأمة منهم "برهان الدين البقاعي" صاحب تفسير" نظم الدرر"، جدّد لهذه الأمّة فهم كتاب الله ﷿
وقدرغبت في أن أعدّ هذا الكتاب عن حياة عقله وجهاد قلمه ومنهاج تأويلِه بلاغة القرآن الكريم وأنشره في طلاب العلم بالكتاب والسنة.
ومن ثَمَّ جعلتُ الكتابَ بابين:
الأول: جهاده في طلب العلم وتعليمه.
والباب الثاني جعلته لتبيان منهاجه في تأويل بلاغة القرآن الكريم
وقد حرَصْتُ على أنْ أذكر نماذج من تفسيره " نظم الدرر" لما أراه معلما من معالم منهاجه في تأويل القرآن الكريم عسى أن يكونَ في قراءة هذه النماذجِ ما يُغري القارئَ بالقراءةِ في تفسيره نفسه قراءةَ بحثٍ وعرفان جديرٍ بالصبر والمصابرة
1 / 4
في عصر تنادى شرزمة بأنّه لا يسعها ما وسع الصحابة في عهد النبوة، وبأنَّ علينا أن نعيد قراءة القرآن الكريم قراءة عصرية تتواكب مع حركة الحياة في عصر (العولمة) فتكاثرت الأسفار بتلك القراءات التى ليس من همِّها في المقام الأول إلاَّ تَسْفِيهِ التُّراثِ التأويليِّ لأهلِ السُّنَّة والجماعة واستعلاء شأن التأويل الفلسفيِّ للقرآن الكريم الذي تولى كبره شرزمة من المنسوبين إلى العلماء من أمثال "ابن عربي" وتفسيرات بعضِ المعتزلة الذين يجاهد بعض المشتغلين بالعلم في نشر منهاجهم العقلي المستعلِي على النصّ والدعوة إلى أن النصّ ليس مقدمًا على العقلِ بل للعقل المجرَّدِ من التَّبعيَّة للنصّ سلطان على النّصِّ وإن كان متواترًا.
ومن ثمَّ رأينا من يحاول مخفقا أن يطبق المناهج الأعجمية في نقد النصوص الأدبية على البيان القرآنيّ،ورأينا من ينادي في تلاميذه بوجوب دراسة القرآن الكريم " دراسة أدبية " وأنَّ أيَّ درس للقرآن الكريم لا يقوم على هذه الدراسة الأدبية هو درس عقيم وأنَّ الدرس الأدبي قائم على نزع الإيمان بقدسية النص في أثناء دراسته، فيكون محل مناقدة كمثل أي نصّ، فإذا ما انتهت الدراسة الأدبية للنصّ، فله أن يعودَ إلى إقامة قدسيّة النصّ القرآنيّ في قلبه، هكذا وكأنَّ قدسية القرآن الكريم وإقامتها في القلب رداء أو ما دونه ينزع متى شاء النازع ويُوضع متى شاء.
كلّ هذا بدعوى الموضوعيّة العلميّة في البحث العلميّ، وغير هذا كثير تموج به الصحائف المنشورة في العباد
1 / 5
ولعَلّي لأنشرُ قريبا إن شاء الله تعالى في طلاب العلم كتابًا قائما ببيان ضوابط فقه المعنى من الكتب والسنة قد فرغت بحمدالله ﷿ من إعداد مسودته الأولى، وأسأل الله ﷿ العون على تنقيحه وتبيضه عسي أن يكون فيه عونٌ لمن يبحث عن الحق فيَسْتَبْصِره ولعلِّى أقوِّضُ شيئًا ممَّا يبنى المفسدون من مسجد ضرار، فأكون ساعيًا إلى أداء بعض ما فرض علينا من النصيحة لكتاب الله ﷻ.
روى الإمام "مسلم" ﵁ في صحيحه من كتاب الإيمان بسنده عن"تميم الداريّ" ﵁ أنَّ النّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا قال:
" الدّينُ النَّصيحةُ. قلنا: لمن؟ قال: " لله ولكِتابِه ولرسُولِه ولأئمَّة المسلمين وعامتهم "
ولوأنَّ كلَّ طالب علم ومشتغلٍ به أقام ذلك الحديث الجليل نصب عينيه، وكان على ذُكْرٍ من أنَّ مجال الجهاد بالكلمة الحقّ والمرابطة في تحقيق الحقائق العلمية في باب العقيدة والشريعة باب وسيع من أبواب الجهاد في سبيل الله ﷿، لاستعذب ماسيلقى في ذلك السبيل من فتن ومحن، وقد قال الله ﷿ لنا:
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (الفرقان: من الآية٢٠)
1 / 6
وإنَّ من أشدَّ الفتن التي تهلك غير قليل من طُلاَّبِ العِلْمِ في زماننا فتنة إعلاء ذوى الأمر والسلطان من شأن أهل الفسق والعصيان وتقريبهم وتوليتهم كثيرًا من شؤون البلاد والعباد، وإغداق الأموال وصنوف التكريم عليهم وإبعاد أهل العلم والتقوى والتغافل عن تكريمهم إذا ما أحسنوا، فظنَّ صغار طلابُ العلمِ أنَّ في هذا ما يشفع لهم في الإعراض عن المجاهدة في باب العلم والمرابطة في ثغور الدعوة وتنوير القلوب بمعانى الهدى من الكتاب والسنة، وفيه ما يسوغ لهم الارتماء في أخضان إخوان الشياطين وتكثير سواد أهل الحل والعقد في شؤون البلاد، فتسارعوا إلى أبواب كل ذي سلطان وأعرضوا عن أبواب وراثة سيد المرسلين صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إنَّ مما يجدر بكلٍّ داعية إلى الله ﷾ مجاهد بكلمة الحقّ مصاحبة سورة " العنكبوت" ترتيلا، وفقها، وتخلقًا بما فيها من معانى الهدي إلى الصراط المستقيم هي سورة قائمة بالتحريض على المجاهدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتصدي لباطل أهل الدنيا، فإنَّهم في باطلهم وإن بَدَوا في ظاهرِ النَّظرِ أقوياءَ مَنَعَةً، فهم في حقيقتهم يحتمون بما هو أوهى من بيت العنكبوت، لايتردَّى فيه إلا من خُدِعَ به أمَّا أهل البصيرة فإنهم القادرون على اجتثاثه.
﴿ألم*أَحَسِبَ النَاسُ أن يّتْرَكُوا أن يّقُولُوا آمنَّا وَهُمْ لايُفتَنُون * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذينَ مِنْ قَبْلِهمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت:١-٢)
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت:٦٩)
1 / 7
فانظر راشدًا مطلع التلاوة من تلك السورة ومقطعها، فإنَّ فيها ما يفتقر كل داعية إلى الله ﷿ – وكل مسلم داعية بلسان حاله – إلى أن يقوم طويلًا في فقهِ وفهمِ ما هو مَكْنُونٌ فيها من معانى الهدى إلى الصراط المستقيم، فإنْ جمعتَ إلى ذلك فقه وفهم معانيَ الهُدَى في سورة (النحل) كان لك من ذلك زادٌ كريم لا يفنى ولا تنقضي عجائبه ولذائذه
وإنَّ مما ينفع طالب العلم ويعينه بإذن الله ﷿ حسن قراءة حياة الأئمة من العلماء بالكتاب والسنة ولا سيّما في عصور الطغيان وتكاثر متاع الحياة الدنيا، ففي كل عصر من تلك العصور علماء أئمة عضّوا على الهدى بنواجذهم واستمسكوا بالهدى، وما ألقوا بجباههم من تحت نعال ذوى السلطة بل قالوا كلمة الحق واشعلوا مصابيح الهدى في دياجير الباطل.
وإنّ علينا أن نقدم حياة أولئك العلماء القائمين الشامخين في وجه الطغيان الصابرين على مناصرة الحق والصابرين عن إغراء المال والسلطة والجاه المنثور من تحت أقدام الشيطان
اللهم أني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت الواحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد أن تصلي وتسلّم وتباركَ على عبدك ونبيّك ورسولك محمد بن عبد الله وعلى آله وأزواجه وصحبه وورثته من أهل العلم في كلّ لمحة ونفسٍ عدد خلقك ورضاء نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك
وأن تجعلنى ووالديّ وذريتي وأهل بيتي من أهل القرآن الكريم ظاهرًا وباطنا في الدّارين
وأن ترفع بالقرآن الكريم بين عبادك الصالحين ذكري في الدنيا والآخرة
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (البقرة: من الآية٢٠١)
1 / 8
وأن تجزي عبدك " برهان الدين البقاعي " عن القرآن الكريم خير الجزاء فقد كان فيما أحسب ولا أذكي على الله ﷿ أحدًا ناصحا لكتاب الله ﷻ بما قدمه لنا من تفسيره: (نظم الدرر)، وأن تجزيه عنى وعن طلاب العلم بكتاب الله ﷾ ولسان العربية أفضلَ ما جازيت عالمًا عن طلاب علمه.
وأن تحزي عنى والديّ بما ربياني صغيرًا وأغرياني بأن أكون من أهل طلب العلم بكتاب الله ﷿ وسنة رسوله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَىآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا
وأن تجزي عنى خيرالجزاء، وأكرمه، وأدومه شيخي": " مُحَمَّد أبو مُوسَى" الذي جلست بين يديه الكريمة بالعطاء في قاعات العلم بجامعة الأزهر الشريف، فإنَّ له يدًا باقية مجيدة حميدة في محبتي الاعتكاف على فقه لسان العربية في البيان العالى شعرا ونثرًا والبيان العَلِىّ المعجز: قرآنا وسنة وعلى نشرذلك وتعليمه للعباد، وقد علمنى - أعزّه الله - أنَّ ذلك باب رئيس من أبواب إنقاذ الأمة من براثن الجهالة والمذلة
وقد كان له - رفع الله ﷿ ذكره بالقرآن الكريم في الدارين - وما يزال أثرٌ نافذٌ في كثير من طلاب علم العربية، ألقى بنور عقله وقلبه على الصراط فمهَّد وأغرى، ولا يكاد يجحد فضله ويده إلا جاهل أو حانق، وسيبقى أثره فينا إن شاء الله ﷿ ما بقيت لنا على الأرض حياة وحسبه من نعيم الدنيا ذلك
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه ورسوله محمد بن عبد الله وعلى آله وأزواجه وصحبه وورثته من أهل العلم ومن والاه في كلّ لمحة ونفس بعدد كل معلوم لديه والحمد لله رب العالمين
وكتبه
محمود توفيق محمد سعد
الأستاذ في جامعة الأزهر
القاهرة: حدائق الزيتون
ربيع الأول ١٤٢٣
1 / 9
الباب الأول: جهاده في طلب العلم وتعليمه.
جهاده
توطئة.
إنَّ الله ﷿ لمَّا جعل عبده سيّدنَا محمدًا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا خاتمَ الأنبياءِ والمرسلين،وجعل دينه:الإسلامَ خاتم الأديان، وللناس كافة:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ:٢٨)
وكان من شأن الناس حاجتهم إلى من يأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم: صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُور ُ﴾ (الشورى:٥٣)
جعل ذلك رسالة العلماء من بعده ﷺ، فكانوا نُجومَ الأُمَّةِ كما أخبر ﷺ فيما رواه "أحمد" ﵃ في مسنده عن "انس بن مالكٍ ﵃:" قال النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا:
" إنَّ مثَلَ العُلماء فِي الأرضِ كَمَلِ النٌّجومِ فِي السَّماءِ يُهتَدَى بِها فِي ظُلُماتِ البَّرِّ وَالبَحْرِ، فإذا انْطَمَسَتِ النُّجومُ أَوْشَكَ أَنْ تَضِلَّ الهُداةُ "
(مسند أحمد ج٣ص١٥٧)
وجعلهم ورثة الأنبياء: روي "أحمد" ﵃ في مسنده عن "أبي الدرداء ﵃ "أنَّه سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ:
" ... إنَّ العلمَاءَ هُمْ وَرَثَةٌ الأنْبِياءِ، لم يورثُوا دينَارًا وَلا دِرْهمًا،وإنّما ورّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخذه أَخذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ " (مسند أحمد: ٥/١٩٦)
وعلى مقدار عقل المرء يكون مقدار سعيه إلَى أن يأخُذَ منْ ميرَاثِ النُّبوة قولًا وعمَلا، فكَثُرَ في الأُمَّة قديمًا السّاعين إلى أنْ يأخذوا من ميراثِ النّبُوّةِ؛ ليقوموا بِتِبْيانِ الصِّراطِ المستقيم في كلّ ما يَجِدُّ من حركة الحياة المُتَجَدِّدَةِ.
1 / 10