الدار الآخرة
الدار الآخرة
الأدب مع الله ﷿
والجن كانوا مؤدبين في قولهم: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠] وأنا أريدك أن تفهم وتتدبر كلام الله ﷿ هنا، فأريد مبني للمجهول، وكأنما خاف الجن أن ينسبوا الشر لله ﷿، فقالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]، ولما أتوا بالرشد ذكروا الله ﷿، فانظر إلى الأدب في الكلام.
وقد تعلمنا من الخليل الأدب، فقد قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٠]، ولم يقل: والذي إذا أمرضني، وهذا من الأدب.
وانظر إلى الرجل الصالح صاحب سيدنا موسى ﵇ الذي علمه فقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] فقال: (أردت أن أعيبها) ففي العيب أتى بالإرادة ونسبها إلى نفسه، وفي اليتيمين قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢]، فالخير نسبه إلى الله، والشر نسبه إلى نفسه، وهكذا المؤمن مؤدب وسيدنا أبو بكر استفتي في فتوى فقال: أقول فيها برأيي، فإن كان حسنًا فمن الله، وإن كان غير ذلك فمن الشيطان ومن نفسي، وهذا من الأدب.
ومن الأدب في الدعاء: يا رب! إن عذبتني فبعدلك، وإن رحمتني فبفضلك.
اللهم عاملني بفضلك ولا تعاملني بعدلك.
وهكذا كان الصاحون يدعون، وربنا لا يظلم، وحاش لله أن يظلم، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، فإن عذبتني فهذا بمحض العدل؛ لأنك عادل، وأنت الحكم العدل، وإن رحمتني فبفضلك، فعاملني بفضلك ولا تعاملني بعدلك.
24 / 6