قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾؛ أي: عاشوا في البَطَرِ والأَشَرِ، فأكلوا رزق اللَّه، وعبدوا الأصنام، وجُعِلَ الفعلُ للقرية، وهو في الأصل للأهل، وقد مضى نظير هذه المسألة في قوله تعالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (^١).
وسُمِّيت قريةً لجمعها لأهلها؛ لأنها تَقْرِي النّاسَ؛ أي تجمعهم، من قولهم: قَرَى في حوضه الماءَ يَقْرِيهِ: إذا جَمَعَهُ، وقَرَى البَعِيرُ في شِدْقِهِ العَلَفَ: إذا جَمَعَهُ، قَرْيًا (^٢).
وقال قوم: أصل قَرْيةٍ: قُرْية بالضم. وسُمِّيت المدينة مدينةً لأنها مَنْزِلُ المَلِكِ يكون فيها من يَدِينُ له ويطيعه، يكون هذا من "مَفْعِلةٍ" (^٣) من: دانَ يَدِينُ: إذا أطاع، وقيل (^٤): سُمِّيت مدينةً من: مَدَنَ بالمكان: إذا أقام به، وهي "فَعِيلةٌ" من ذلك؛ لأنه يُقامُ بها.
وقوله: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ البَطَرُ هاهنا لأهل القرية، والبَطَرُ: سوء حمد النعمة، وهو أن يتكبر ويقهر ويُعْرِضَ عن الشكر.
(^١) يوسف ٨٢، وهي في القسم المفقود من هذا الكتاب.
(^٢) ينظر: إصلاح المنطق ص ٢٤٤، تهذيب اللغة ٩/ ٢٦٩ - ٢٧٠، اللسان: قري.
(^٣) أي: أن الميم فيه زائدة، وعليه فجمعه مدائن بوزن مفاعل، وقد حكاه الأخفش بغير عزو في معاني القرآن ص ٢٩٣، وينظر: تهذيب اللغة ١٤/ ١٤٦، الإغفال للفارسي ٢/ ٢٣٦، ٢٣٧، الصحاح ص ٢٢٠١، اللسان: مدن.
(^٤) هذا قول أكثر العلماء، وعليه فجمعها: مدائن بوزن "فَعائِلَ"؛ لأن الميم أصلية، ينظر: معاني القرآن للأخفش ص ٢٩٣، إعراب القراءات السبع ٢/ ١٧٦، الإغفال ٢/ ٢٣٧، تهذيب اللغة ١٤/ ١٤٥، الصحاح ص ٢٢٠١.